|

خبر وتعليق: القذافي وإجراءاته الاستباقية
في محاولة مكشوفة، يبذل القذافي ونظام حكمه مساع استباقية محمومة للحيلولة دون انتفاضة الشعب الليبي. فقد جاءت الأخبار بقيام أجهزة النظام بإجراءات لامتصاص الغضب والالتفاف حول ما يمور في أوساط الشعب الليبي من احتقانات، وفي نفس الوقت القيام بتدابير لمنع تجمع المواطنين بأعداد كبيرة، واتخاذ تدابير لصرف أنظار الليبيين وإلهائهم.
في هذا الإطار جاء قرار تخفيض أسعار بعض السلع التموينية، وإعادة الدعم إلى سلع أخرى، والشروع في توزيع نماذج واستمارات على الشباب العاطلين عن العمل من أجل تقديمها للحصول على منح مالية، وما أشاعته أجهزة الحكم حول فتح باب القروض التي كانت موقوفة وتخصيص مبالغ مالية لها. وجدير بالذكر أن هذه الإجراءات وغيرها كان القذافي يلجأ إليها من حين لآخر لتجاوز المآزق التي مر بها حكمه.
من ناحية أخرى يُعدّ القذافي لمهزلة جديدة من مهازله التي استخدمها كثيرا للضحك على الذقون وصرف الأنظار على حقائق حكمه المخزية، وذلك بافتعال حملة تحت مسمى التطهير ليحقق بها شغل الشارع الليبي وإلهائه، والاستيلاء على المزيد من أموال الناس، وإذلال من يريد إذلالهم، في حين يستمر هو وأبناؤه ومن يدور في فلكهم في نهب المال العام وإهداره. ولغرض إلهاء الناس أيضا سبق للقذافي أن قام بالتحريش بين المواطنين عن طريق تحريضه المعلن على الاستيلاء على المشروعات السكنية لزرع الفتن وتأجيج نار العداوات بين المواطنين، وشغلهم عما كان يجري في تونس.
في نفس الوقت قام القذافي بإصدار التعليمات لإلغاء أية مناسبات تؤدي إلى تجمعات كبيرة للمواطنين بما في ذلك تعليق مباريات الدوري وتأجيل اجتماعات ما يسمى بمؤتمر الشعب؛ مخافة أن تنطلق في هذه التجمعات شرارة الانتفاضة التي باتت تؤرق القذافي وذيوله وتقض مضاجعهم.
إن الدوافع وراء هذه الإجراءات واضحة، فالقذافي الذي بات مرتعبا لتساقط جيرانه من الحكام الذين يفوقهم طغيانا، ويفوقونه حنكة ودهاء، يريد أن يتفادى هذا السقوط عن طريق اتخاذ إجراءات وقف هو دائما حائلا دونها، وباتخاذ تدابير يتظاهر من خلالها بتسهيل الأوضاع المعيشية، في حين أن الهدف الحقيقي هو محاولة شراء بعض الوقت والهروب إلى الأمام في محاولة مكشوفة لامتصاص الغضب المتراكم من حوله.
إن شعبنا الليبي ينبغي أن لا ينخدع بهذه الإجراءات الهزيلة التي يمكن وصفها بأنها تأتي أقل من المطلوب، وأعجز من أن تحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة التي تعصف بالمجتمع الليبي والتي تسبب فيها حكم القذافي، علاوة على أنها تأتي في الوقت الضائع. شعبنا يعلم أن سياسات القذافي وممارساته هي السبب فيما تعانيه بلادنا من تأخر، وما يقاسيه المواطنون من فقر ومعاناة، وهو المسؤول عن الفساد المستشري ونهب الأموال العامة وحرمان الليبيين منها. شعبنا يذكر ولا يمكنه أن ينسى كيف يبعثر القذافي أموالنا على مشاريع في شتى بقاع الأرض في حين يحرم الليبيين من أمثال هذه المشاريع التي هم في أمس الحاجة إليها، والقذافي هو من تفتق ذهنه الشيطاني عن حيلة "المال المجنب" ليقصي مليارات الدولارات بعيدا عن متناول الليبيين وهم في أمس الحاجة للمدرسة والمستشفى والطريق والماء الصحي وغير ذلك، ثم ليضيع هذا "المجنب" ويتبخر دون أن يعرف أحد أين ضاع. القذافي هو الذي حرم الليبيين من العمل الحر لسنوات طويلة وفتح لأبنائه الخزانة العامة لينهبوا المال العام وينفقونها على الأهواء والملذات وعلى تأسيس الشركات وشراء اليخوت والطائرات الخاصة.
من حق شعبنا الليبي أن يتساءل ألم تكن أموال ليبيا موجودة طيلة السنوات الماضية؟ ألم يكن الليبيون في حاجة إلى المسكن والعمل والتعليم والعلاج طيلة تلك السنوات؟ وهل كان الأمر يتطلب أن يشهد القذافي تساقط الأنظمة الاستبدادية حوله؟ هل كان القذافي بحاجة إلى أن يشاهد ما وقع في تونس وما يحدث في مصر من أجل أن يدرك بأن الشعب الليبي من حقه أن يستفيد من أمواله وإمكاناته، وأن شبابه بحاجة إلى توفير سبل العيش والعمل؟ هل يظن القذافي أن خدعه ما زالت تنطلي على الليبيين، وأنها سوف تنسيهم ما يقاسونه من حكمه الهمجي، وما يعانونه من الظلم والقمع والقهر وسياسات الإفقار والتجهيل؟
الدوافع التي حدت بالقذافي أن يحاول تغيير نهجه تجاه الشعب الليبي واضحة ولا يمكن إخفاؤها أو التظاهر بغيرها. ولقد آن الأوان أن لا ينخدع الشعب الليبي وأن يقول كلمته الحازمة عالية مدوية، وأن يردد هتاف "الشعب.. يريد.. إسقاط النظام" وأن تتكاتف السواعد للإطاحة بهذا الحكم الهمجي.
المعلق السياسي
|