|

١٠ اغسطس ٢٠١٠
ليبيا: على الدولة الإيفاء "بالتعويض المنصف" لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وليس "التعويض المالى" فقط
١. تتابع الرابطة الليبية لحقوق الإنسان باهتمام ملف انتهاكات حقوق الإنسان من قبل أجهزة الدول الليبية المختلفة، وخاصة تلك الإنتهاكات المتعلقة بإبقاء داخل سجون خاصة متهمين برأوا قضائيا عقب محاكمتهم من كل التهم المنسوبة اليهم إضافة الى مساجين اكملوا العقوبة المحكوم بها عليهم بالكامل ومساجين لم يقدموا الى أية محاكمة. وإذ ترحب الرابطة فى هذا الخصوص باعتراف الحكومة الليبية بانتهاكها الحقوق الأساسية (الحرمان تعسفا من الحرية) لهؤلاء الأبرياء إلا أنها تـاسف لكون هذا الإعتراف جاء، كما عودتنا الحكومة الليبية، ملتويا فى صورة إعلان عن تعويضات وليس كما تفرضه الشجاعة السياسية فى صورة إعلان عن تحمل الجهاز الحكومى المسؤولية الكاملة عن تصرفاته وتقديم اعتذارا حكوميا رسميا للضحايا ولبقية الليبيين عن التصرفات غير القانونية والتجاوزات غير المسؤولة فى إدارة هذا الجهاز للشأن العام.
٢. جاء الإعتذار الملتوى فى صورة إعلان من وزارة العدل "بأنها ستباشر إجراءات صرف التعويضات المقررة للمجموعة الأولى اعتباراً من يوم الأحد الموافق 8/8/2010 مسيحى" دون إعطاء أية معلومات عن عدد الذين انتهكت حقوقهم أو عدد الذين قدموا طلبا للتعويض. كذلك استعملت وزارة العدل تعبير " صرف التعويضات المقرررة" وهو تعبير تمويهى كثير التداول من طرف الأجهزة الليبية يهدف فى الاساس الى اجتناب الكشف عن الحقيقة (الإلتفاف على الحقيقة) وتضليل القارئ عن طريق تسريب بعض المعلومات له داخل تعبيرات تمويهية للإيحاء بأن قرار التعويضات ربما نوقش مع جميع الأطراف المعنية بالتعويض بما فيهم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التى وافقت (جميع الأطراف) بالتراضى على حجم ومستوى هذا التعويض . وقد استعمل هذا التعبير أيضا لتجنب الدخول فى صلب موضوع التعويض وللتمويه كي لا يفهم بأن قرار التعويض قد اتخذ دون مناقشته مع أصحاب الشأن ( الضحايا) فقط ولكن ايضا دون علمهم وبان القرار لا يعدو كونه قرارا إداريا ربما اصدره نفس الأشخاص المتورطين فى الإنتهاكات التى يقترح التعويض عنها فى إعلان وزارة العدل. ويبدو ان هذه هي الكيفية التى تم بها اقرار التعويضات خاصة وان القرار اكتفى بتناولها من الناحية المادية (تعويض مالى) فقط دون الدخول فى جوانب التعويض الأخرى مثل الجوانب النفسية وجوانب إعادة التأهيل وإفلات المجرمين من العقاب والمحافظة على الذاكرة الوطنية الجاعية فيما يتعلق بالإضطهاد وتدوينه الى آخره. إن التعويض المادى (المالى المقترح) لا يمثل إلا جزءا بسيطا من التعويض المنصف وهذا الأخير هو المطلوب من الحكومة الليبية.
٣. و ينبغى ان يشمل "التعويض المنصف" الذى تطالب به ضحايا انتهاك حقوق الإنسان فى هذا الملف والذى يشتمل على جرائم مركبة بما فيها جريمة الإختطاف والإختفاء القسرى وجريمة التعذيب وجريمة السجن التعسفى .. ينبغى أن يشمل التعويض المادى ويتعداه كما ينص على ذلك بوضوح وبدون لبس قانون حقوق الإنسان الدولى الذى يؤكد على حق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان فى الحصول على تعويض "فورى ومناسب وذى فعالية”. ويتضمن التأكيد على ضرورة اتخاذ الحكومة المعنية(الليبية) كافة إجراءات التعويض ورد الحق عن الأضرار وإعادة التأهيل من الناحية الصحية والنفسية ورد الإعتبار الشخصى. ويؤكد القانون أيضا على أهمية الكشف عن الحقيقة، كجزء لا يتجزأ من التعويض، ومحاسبة المسؤولين، وإيقاف الإنتهاكات الجارية، والحيلولة دون تكرارها والذى يتطلب بدوره أصلاح المؤسسات وأليات المسائلة والغاء "القوانين" المنافية لاحترام حقوق الإنسان وخاصة تلك القوانين المقيدة للحريات. هذا هو مفهوم التعويض الذى تطالب الضحايا بتطبيقه وليس تعويضا ماليا فقط ــ كما ورد فى إعلان وزارة العدل المشار له أعلاه ــ والذى سيقتطع فى النهاية من المال العام أي من أموال الليبيين وليس من أموال الجناة المجرمين الذين لا نعرف حتى هويتهم من جراء سياسة تواطئ الأجهزة النافذة معهم والتى تهدف الى ضمان إفلاتهم من العقاب.
٤. إن أي عملية تعويض لا تصاحبها هذه الإجراءات لن تكون ذات فائدة حقيقة ويمكن ان تصبح ذات أثر عكسى. فالتعويض المالى بدون اتخاذ خطوات للتاكد من الحقائق المتعلقة بالإنتهاكات الماضية على سبيل المثال قد يعتبر وسيلة من وسائل إسكات الضحايا ورشوة لضمان إفلات المجرمين من العقاب. وبالمثل فإن التعويض المالى بدون الإصلاح او بدون اتخاذ خطوات اخرى للحيلولة دون ارتكاب انتهاكات أخرى فى المستقبل يمكن ان يفسر على كونه غياب للإرادة السياسية ويجعل التعويض وعدا أجوفا خال من إرادة عدم تكرار الإنتهاكات. وكذلك فإن أي برنامج للتعويض لاتصاحبه إجراءات تضمن محاسبة المذنبين إنما هو بمثابة الطلب من الضحايا أن يتنازلوا عن حقهم فى العدالة مقابل أخد معونة مالية هي فى الأساس حق من حقوقهم. كل هذه الإجراءات ( المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان) التى اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 16 ديسمبر 2005 (الدورة الستون ـ 60) ليست بالجديدة بل هي اجراءات أثبتت فعاليتها فى أماكن مختلفة من العالم. ولا يخالج الرابطة شك فى قدرة تلك الإجراءات، لوطبقت بنزاهة ومهنية على الحالة الليبية، على ايجاد الحلول المناسبة لكل الملفات العالقة والخروج من هذا النفق المظلم وليبيا والليبيين فى وضع جديد يمكن ان يكون مدخلا لبناء دولة مؤسسات وقانون تضمن للجميع الحرية والإنصاف بما فى ذلك التعويض المنصف.
١٠ أغسطس ٢٠١٠
|