بقلم: أبي بكر سليمان سالم
اليوم وبعد أن اقترب القذافي من الاحتفال بالذكرى الأربعين لانقلاب الفاتح من سبتمبر سنة 1969م، وإطلالة الذكرى الحادية والأربعين كما يقول كل عام؛ يخطر على الإنسان كثير من الجرائم التي وقعت وتقع على أبناء شعبنا الليبي في الداخل والخارج، والمآسي التي عاشها الليبيون وشملت القاصي والداني من قطاعات شعبنا، عسكريين ومدنيين، طلابا وتجارا، عمالا وأساتذة.. ولعل أبرز هذه الجرائم مذبحة سجن (أبو سليم) بطرابلس التي صفى فيها زبانية العقيد ما يقرب من ألف وخمسمائة مواطن ليبي، أزهقت أرواحهم البريئة الطاهرة داخل السجن دون ذنب جنوه سوى مطالبتهم لسجانيهم المجرمين بتحسين بعض ظروف معيشتهم ومعاملتهم داخل السجن المشئوم.
ولعل الاحتفال بما يسمى بعيد الطلاب في السابع من أبريل لدليل صارخ على قمة المأساة والملهاة في نفس الوقت، فيوم السابع من أبريل سنة 1976م الذي يتم الاحتفال به سنويا إنما هو مذبحة للطلاب في الجامعات الليبية، اقتحمت فيها عصابات القذافي من أعضاء لجانه الثورية المسلحين بالرشاشات والبنادق الآلية حرم جامعتي طرابلس وبنغازي، وأثاروا الفزع والرعب بين الطلبة والأساتذة والعاملين في الجامعة، وتم في ذلك اليوم المشئوم إزهاق أرواح بعض الطلبة، والقبض على المئات منهم الذين زُجَّ بهم في السجون، ليقضوا زهرة شبابهم خلف القضبان، معرضين لأقسى أنواع العذاب، وليُحرموا من تكملة دراستهم الجامعية، بدعوى أنهم من أبناء الطبقة البرجوازية ومن قوى (اليمين الرجعي) المعوقة لمسيرة الثورة.
كل ذلك وأكثر منه يعرفه الصغير قبل الكبير، ولكن ما أريد أن أخوض فيه هو جرائم القذافي ضد أعوانه وخدمه الذين تم التخلص منهم على مراحل زمنية من العام 1969م ولا زالت مستمرة، لنؤكد للجميع أن القذافي لا أمان له، وأنه كان ولازال يشكل خطرا على أعوانه مهما أخلصوا له، ومهما بالغوا في طاعته وخدمته، وتنفيذ كل مخططاته الإجرامية في الداخل والخارج.
لقد تخلص القذافي من كل من شك – أدنى شك – في إخلاصه له، وتخلص من كل من عارضه الرأي في أي قضية ولو كانت معارضة بسيطة، تلميحا وليس تصريحا.. كما تخلص القذافي من كل من نفذ له مهمة إجرامية كُلِّف بها، وتخلص من كل من تجاوزته مرحلة من المراحل الخمس الآتية:
• المرحلة الأولى: من قيام الانقلاب في سبتمبر 1969م حتى خطاب (أزوارة) في أبريل1975م.
• المرحلة الثانية: وهي من بعد خطاب أزوارة حتى مارس 1977م، أو إعلان ما يسمى بسلطة الشعب في خطاب قلعة (القاهرة) في مدينة سبها عام 1977م.
• المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ما بعد إعلان (سلطة الشعب) حتى الغارة الأمريكية على طرابلس وبنغازي في أبريل 1986م.
• المرحلة الرابعة: وهي مرحلة ما بعد الغارة الأمريكية حتى العام 2003م عام الانبطاح الأكبر بهدف البقاء فقط على رأس الحكم في ليبيا.
• المرحلة الخامسة: المرحلة من عام 2003م إلى يومنا الحاضر وهذه المرحلة مازالت مستمرة.
كان هذا هو المجمل وإليكم التفاصيل:
المرحلة الأولى: من أول سبتمبر عام 1969م إلى أبريل عام 1975م.
ففي هذه المرحلة الأولى كان لابد من أن يُظهر القذافي أمام أبناء الشعب تواضعه وتدينه وزهده وتقشفه، ليكسب قلوب أبناء الشعب الليبي، وخاصة قلوب أبناء القوات المسلحة، وعلى رأسهم أعضاء ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، ومعهم ما يسمى بأعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذين كان يخشى بأس بعضهم، خاصة من أظهر قدرا ولو بسيطا من الاختلاف في الرأي معه في القضايا الداخلية والخارجية، وكانت البداية بالتخلص من وزيري الدفاع والداخلية، في أول وزارة بعد الانقلاب، وهما المقدم آدم الحواز، والمقدم موسى أحمد واللذان لعبا دورا مهما في نجاح الانقلاب، لأنهما الأعلى رتبة بين ضباط انقلاب سبتمبر، فقد قام المقدم موسى أحمد بالسيطرة على أهم معسكرات القوات المتحركة في (قرنادة).. وأما المقدم آدم الحواز فقد كان قائدا لمعسكر (قاريونس) الذي انطلقت منه القوات التي سيطرت على الإذاعة والنقاط الحيوية في مدينة بنغازي..
ورغم ذلك فقد كافئهما القذافي بعدم اختيارهما كعضوين في مجلس قيادة الثورة المكون من 12 اثني عشر عضوا، ثم ما لبث أن اتهمهما بالقيام بمحاولة انقلابية وحاكمهما بالسجن المؤبد، ليلقى الحواز حتفه في السجن، ويطلق سراح موسى أحمد بعد أن قضى به أكثر من عشرين عاما.
هكذا تم التخلص منهما.. أما لماذا؟!! فلأن القذافي لا يطمئن أبدا منذ البداية إلى ظهور أي شخصية قيادية بجواره، وبالفعل كانت شخصية الحواز بالذات شخصية قيادية مؤثرة، ظهرت آثارها في صفوف ضباط وجنود الجيش، وتعلقهم بالحواز ومحبتهم له، الأمر الذي أحس معه القذافي بالخطر القادم من وجود الحواز في وزارة الدفاع، وموسى أحمد في وزارة الداخلية، ولذلك كان لابد من التخلص منهما.
ومن الضباط الأحرار الذين تم التخلص منهم بالقتل عبر حادث سيارة مدبر بعد مضي عدة شهور من الانقلاب هو الضابط الحر (عطية موسى الكاسح الزوي)، ثم كانت الجريمة الكبرى باغتيال النقيب (أمحمد المقريف) عضو مجلس القيادة ووزير الإسكان في أول وزارة، وهي وزارة الدكتور محمود سليمان المغربي، وتمت تصفيته بحادث سيارة، وكان معه الرائد عبد السلام جلود عضو مجلس قيادة الثورة، والذي نجا من الحادث، وظهر بعده في المستشفي مربوط اليدين والوجه والرأس والقدمين بالضمادات ليغادر جلود المستشفى بعد يومين دون أن يظهر فيه أدنى خدش،وليلقى المقريف حتفه مصابا بأكثر من أربعين كسرا في جسمه.
وهناك رواية أخرى تقول: إن النقيب أمحمد المقريف قد لقي حتفه بإلقائه (إيد ورجل) من طائرة هليوكبتر، وأن الذين قاموا بإلقائه مرافقون له في الطائرة من ضباط الصاعقة والذين كان من بينهم بعض الضباط التابعين لدولة عربية.
أما لماذا تم التخلص منه فلسببين: السبب الأول أن المقريف كان من الشخصيات القوية الذي لا يخشى أن يظهر معارضته للقذافي علنا في بعض الأمور على مرأى ومسمع من الحاضرين، أما السبب الرئيسي فيقال إن النقيب المقريف لا يخفي معارضته للاندماج الفوري مع الشقيقة مصر، ويرى أن يتم ذلك على خطوات تمهيدية، في وقت كان فيه التوجه إلى الوحدة الاندماجية الفورية هو الصوت العالي الذي لا يعلو عليه صوت، ولا يُسمح بذلك، وكانت شعارات ثورة يوليو الناصرية (الحرية – الاشتراكية – الوحدة) هي نفس شعارات القذافي والتي تنكر لها فيما بعد.
المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد خطاب (أزوارة) في أبريل 1973م حتى مارس 1977م وهي مرحلة إعلان ما يسمى بسلطة الشعب، وتشمل تلك المرحلة تقليص صلاحيات ما يسمى بمجلس الثورة تمهيدا لإلغائه فيما بعد، لتجسيد القيادة الفردية للعقيد معمر القذافي، والذي بدأ يتجه إلى تجاوز وضعه ووصفه كرئيس لمجلس قيادة الثورة، ليتحول إلى قائد وحيد لليبيا، يسعى حثيثا إلى إدماج ليبيا مع أي قطر عربي،، لأن ليبيا وحدها وشعبها فقط لا يحققان طموحه في أن يكون أمينا على الأمة العربية وقائدا لها، ثم كمفكر أممي يطرح نظرية عالمية ثالثة لخلاص العالم من مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويضمِّن تلك الحلول كتابه الأخضر بفصوله الثلاثة.
كل ذلك التوجه جعل بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة يعتقدون أنهم قد خُدعوا في شخص معمر القذافي الذي نصَّبوه قائدا لهم، وأحسوا بحجم الجريمة التي ارتكبوها، ومن ثم أخذوا يفكرون جديا بالخلاص من معمر القذافي عبر المؤسسة ذاتها التي أوصلته للحكم، وهي القوات المسلحة الليبية.
ففي صيف عام 1976م قام ثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة هم الرواد عمر المحيشي، بشير هوادي، عوض حمزة، مع مجموعة من الضباط الأحرار، نذكر منهم عمر الحريري، عمر الواحدي، الكاديكي، بمحاولة انقلاب ضد القذافي، ولكن أراد الله كشف أمرهم قبل تحركهم، وألقي القبض على أغلبهم بما فيهم بشير هوادي وعوض حمزة، وهرب المحيشي إلى تونس ثم منها إلى مصر، والتي غادرها إلى المغرب، ويفعل القذافي المستحيل مع الملك الراحل الحسن الثاني، حتى وصل الأمر إلى الدخول معه في تجربة وحدوية (اتفاقية وجدة) والتي أسست لما يسمى وقتها بالاتحاد العربي الأفريقي، والذي تبين فيما بعد أنه اتفاق الغرض الأساسي منه ضرب تواجد المعارضة الليبية في المغرب وعلى رأسها الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، ثم هدف أساسي آخر هو تسليم الحسن الثاني عمر المحيشي للقذافي ليقتله بيده بعد أن هبطت به الطائرة المغربية في "سرت"، بينما كان المحيشي معتقدا أن الطائرة قد هبطت به في المملكة العربية السعودية لأداء العمرة بمكة المكرمة، وليقبض الحسن الثاني ثلاثمائة مليون دولار ثمنا لتسليم المحيشي، هكذا تم التخلص من المحيشي.
أما لماذا هذا الإصرار على تسلمه وقتله؟!! هل لأن المحيشي حاول الانقلاب على القذافي فقط؟ هذا سبب مهم، وأهم منه أن الرائد عمر المحيشي كان أول من أشار في أحاديثه الموجهة إلى الشعب الليبي عبر الإذاعة المصرية ما بين عامي 1976-1977م بأن لديه ما يشير إلى أن القذافي كان طفلا لأب يهودي من يهود سرت، ولقد انتشرت هذه الرواية في أوساط الشعب الليبي انتشار النار في الهشيم.
ونعود إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها المحيشي وهوادي وحمزة وما آل إليه مصيرهم ومصير الضباط الذين كانوا معهم.
لقد وجدها القذافي فرصة سانحة له للتخلص من الضباط الذين لا يثق فيهم ولديه شك في ولائهم له بعد محاكمتهم أمام محاكم عسكرية صورية، والتي قضت بسجن هوادي وحمزة والبعض الآخر من الضباط، وقضت بإعدام أكثر من عشرين ضابطا نفذ فيهم الحكم رميا بالرصاص أمام الضباط والجنود.
المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي بدأت بعد إعلان سلطة الشعب إلى الغارة الأمريكية في أبريل عام 1986م، وهذه المرحلة تميزت بتنامي بطش اللجان الثورية والتي سيطرت على كل شيء في ليبيا، واكتنفت تلك الفترة تدخلات القذافي العسكرية الفاشلة في أوغندا وتشاد، وتآمره على جيرانه العرب في مصر وتونس والسودان.
الأمر الذي دعاه إلى التخلص من كثير من أعوانه مدنيين وعسكريين، بإرسالهم إلى معسكرات وحروب الموت في أوغندا وتشاد، ليلقوا حتفهم هناك بعيدا عنه وعن وطنهم الذي قد يفكرون يوما في إنقاذه من براثن حكم القذافي الفاشي.
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة ما بعد العام 1986م حتى العام 2003م عام الانبطاح الكبير والنهائي..
ففي تلك المرحلة تخلص القذافي من بقية أعضاء مجلس القيادة – ليس بالضرورة بالتصفية الجسدية- بل بإنهاء أدوارهم، وعلى رأسهم الرائد عبد السلام جلود، وليبقي على ثلاثة أعضاء فقط، وهم أبو بكر يونس والخويلدي الحميدي ومصطفى الحزوبي الذين جردهم من كل صلاحيتهم باستثناء الصلاحية المالية ليبقي لهم المستوى الترفي الذي يعيشون فيه هم وأقاربهم وذووهم، وأطلق على هؤلاء القيادة التاريخية للثورة، وتضمنت تلك الفترة التخلص من بعض أقارب العقيد والمقربين، وأهم هؤلاء العقيد (حسن أشكال) الذي صفاه القذافي رغم صلته الوثيقة به، لإحساسه أنه يشكل خطرا عليه.. كما وقعت خلال تلك الفترة حادثة سقوط الطائرة الأمريكية بعد تفجيرها على بلدة (لوكيربي) الأسكتلندية والتي راح ضحيتها 254 شخصا، ووجه فيها الاتهام لعميلين ليبيين من نظام القذافي هما خليفة أفحيمة وعبد الباسط المقرحي، ورفض القذافي تسليمهما في البداية ثم رضخ للضغوط بعد فرض حصار جوي على ليبيا، وتم تسوية الأمر بعد ذلك، بعد أن دفع القذافي مبلغ عشرة ملايين دولار لأقارب كل ضحية، وتم إطلاق أفحيمة، بينما ظل عبد الباسط المقرحي قيد السجن حتى الآن.
وخلال عقد التسعينيات تم تصفية عدد من أعمدة نظام القذافي وهم إبراهيم بكار أمين العدل الذي صفي في حادث سيارة، بعد أن كان قادما من تونس بعد حضوره لمؤتمر وزراء الداخلية العرب، وكان بكار قد نسي نفسه وصرح بأن المسئولين عن سقوط الطائرة الليبية – والتي كانت في رحلة من بنغازي إلى طرابلس – لابد وأن يكشفهم وأن ينالوا جزاءهم، فلقي هو حتفه.
والشخصية الثانية هو إبراهيم البشاري الذي شغل منصب المسئول الأول عن الأمن الخارجي في الثمانينيات، ثم أصبح أمينا للخارجية، ثم رئيس قلم القائد، وخلال تلك المرحلة للبشاري والتي ناهزت الثلاثة عقود، أشرف مع الشخصية الأخرى (عبد السلام المزادمة) على تصفية العديد من الليبيين المعارضين في الخارج، والإشراف على خطف وزير الخارجية الليبي الأسبق المعارض منصور الكيخيا، واضطلع الاثنان بترتيب رحلة الحجاج الليبيين إلى القدس المحتلة، وعلى ظهور الجمال كما زعموا، حيث يتم هناك الاجتماع بالعديد من زعماء إسرائيل بواسطة اليهود الذين كانوا مقيمين في ليبيا، والعديد من المهام الأخرى، فكان لابد من التخلص منهما بحوادث مدبرة.
وكذلك تم التخلص من المدعو العقيد أمبارك عتيق في حادث سيارة مدبر، وعتيق هذا كان هو مسئول الارتباط للقيادة بالقبائل وزعمائها في المنطقة الشرقية.
ثم كانت المرحلة الخامسة والمستمرة حتى يومنا هذا، والتي حاول فيها القذافي أن يغير جلده ويظهر فيها بثوبه الجديد، مقدما نفسه على أنه حكيم أفريقيا، والذي يسعى إلى الإصلاح بعد أن سوى أزمة لوكيربي، والتي تنازل فيها عن كل شيء وقدم أكثر مما طلب منه، ليتم الصفح عنه من الغرب.
وهنا توقف القذافي وحاول أن يظهر ليبيا - تحت قيادته - بمظهر الدولة العصرية القانونية المتحضرة، ومع ذلك فإنني أؤكد ويؤكد معي كل مراقب منصف بأن هذه المرحلة، إنما هي مرحلة بيات شتوي، وأن هذا القذافي لا أمان له حتى على المقربين منه، فلا حصانة لأحد عنده مهما قدم من خدمات لسيده وقائده، وهذه المسألة يدركها الحرس القديم من أعوان القذافي، والذين بدأوا يحتفظون بمسافة بعيدة عنه، فهم الآن لا يريدون قربه بعد أن أتخمت بطونهم بأموال الشعب الليبي التي أقطعها لهم العقيد.
ومع ذلك نقول لهم: لا تأمنوا جانب قائدكم كثيرا، فهو لا أمن له ولا أمان عنده لأحد، فهو كالعقرب السامة تختفي كثيرا ثم تخرج لتلدغ، ولدغتها والقبر..