هدى علي أبوزيد التي قُتل والدها على يد عملاء النظام الليبي تقول: "يجب علينا ألا نغض الطرف عن أعمال الإرهاب والعنف..."
بقلم: هدى على أبوزيد*
هناك مصطلح فكاهي بخصوص واقع الشعب الليبي يقول: "لماذا يبلغ عدد سكان ليبيا ستة ملايين وأربعة ملايين في نفس الوقت؟" والجواب هو: "لأنه يعيش مليون منهم في الخارج ومليون آخر في السجن..."
انها ليست نكتة مضحكة، بل إنها تكشف واقعا مريرا، حيث تستعد البلاد للاحتفال بالذكرى الـ40 من حكم معمر القذافي، وعلى الرغم من المحاولات اليائسة من قبل مختلف السياسيين الذين يحاولوا أن يقنعونا بأن ليبيا قد تغيرت، والعديد من المقالات التي تنشر في صحف الأحد التي تطرح ليبيا كوجهة سياحية جديدة، إلا أنه في الواقع أن ليبيا لا تزال من أكثر الدول ذات والأنظمة الشمولية والقمعية في العالم. كثيراً ما نسمع عن مواطنين ليبيين اختفوا أو تم اعتقالهم من قبل السلطات في الوقت التي تبقى أسر وذوي هؤلاء الضحايا في الظلام دون معرفة مصير أبنائهم.
منذ عام 2003 والنظام الليبي يوصف من قبل السلطات البريطانية بأنه نظام مثالي نتيجة الإصلاحات التي يُزعم أنها قامت بها. رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير سرعان ما توجه إلى ليبيا من أجل تثبيت وسام النجاح وهرول إلى القذافي قائلاً: "يجب أن لا تنسى الناس الماضي، بل يجب أن تتجاوزه!".
عندما إستمعت لهذه الكلمات شعرت بالغثيان فعلا. بتلك الكلمات اللادغة شعر الليبيون داخل البلاد وأولئك الذين هم مثلي يعيشون في ديار الهجرة بالخارج، شعروا بأن الإرادة السياسية من أجل المطالبة بالعدالة قد فقدت.
القضايا مثل حالات قتل والدي علي أبو زيد ، الذي وجدت جثته في متجره الواقع غرب لندن في 26 تشرين الثاني 1995، حيث تم طعنه حتى الموت، وكان عضوا قياديا في المعارضة الليبية خلال فترة الثمانيات (الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا)، وكان قد سخر كل جهوده إلى القضية الليبية من أجل تخليص بلاده من الديكتاتور. سنوات طفولتي كانت تمر وأنا أنشغل عليه كل ما سافر، وتعلمنا أن نكون حذرين عندما نقترب من عرب آخرين، وفي مرة غادر تونس برفقة الشرطة السرية عندما اكتشفوا أن عصابة من المجرمين كانت تخطط لاغتياله بعد إجهاض محاولة للاطاحة بالنظام الليبي.
مرة أخرى في لندن أذكر سماع اسمه في أحد خطابات القذافي، وفي ذلك الخطاب كان القذافي يدعو لمطاردة والدي وآخرين من المعارضين وكان قد خصص مكافأة بملايين الدولارات لمن يأتي برأس والدي.
بعد سنوات في المنفى، توفي الكثير من أصدقائه داخل ليبيا الذين اعتقلوا وأعدموا، وقرر والدي اعتزال الحياة السياسية المعارضة، حيث أنه توصل إلى قناعة بأن الإنتفاضة ضد النظام الديكتاتوري لا يمكن أن تأتي إلا من داخل ليبيا وليس من المنفى. ومع ذلك، استمر والدي في التعبير عن رأيه والمشاركة في الحوارات السياسية من متجره الذي كان يتواجد في أحد الأحياء اللندنية المليئة بالعرب، وبعد سنوات من أخذ الاحتياطات الأمنية والحذر أصبح والدي هدفاً سهلاً.
وفي الصباح الباكر من ذلك الأحد في تشرين الثاني عام 1995، وصلتني مكالمة هاتفية من أحد العاملين في متجره قائلاً أن باب المحل كان مفتوحاص لكن الأنوار كانت مغلقة، أصبحت دقات قلبي تعكس حالة الرعب التي تعودنا عليها منذ طفولتي خوفاً على سلامته، ولكن قلت لنفسي انه ربما سقط من فوق الأدراج أو لأنه كثير النسيان ربما ترك الباب مفتوحاً.
وعندما ذهبت إلى المحل وفتحت الاضواء وتوجهت نحو الجزء الخلفي من المحل، رأيت الصورة التي أحاول أن أمحيها من ذاكرتي.. صورة والدي الحبيب مغطاة بالدم، وفي صدره طعنة سكين ووجهه مشوه بشكل وحشي وكأنها علامة توثيق من قبل قاتليه. وفي تلك اللحظة كأن الكون من حولي قد جمد في محله، ولا أدري كيف تمكنت من الاتصال بالشرطة ومنعت شقيقي البالغ من العمر 14 عاماً من دخول المحل.
في الوقت الذي اعقتدت بأننا كنا في أمان، وفي الوقت الذي كان والدي لم يعد يشكل أي خطر على النظام في ليبيا، قرر النظام أن ينتقم منه. فهذا النظام لا ينسى ولديه ذاكرة طويلة، وعملاء هذا النظام لم "يتجاوزوا الماضي" بل إنهم قرروا قتل أحد "الكلاب الضالة" –كما يسميهم القذافي- الذين كانوا يطاردونهم منذ زمن. اكتشفنا لاحقا أنه كان قد تلقى تهديدات لعدة أشهر، وبعد فوات الأوان أدركت أنه خلال ذلك الوقت كان والدي يبدو مشتتاً، وكان أشد حزنا من المعتاد.
في تلك الأيام كنت في سن الشباب 23 سنة ولدي إعتقاد بريئ بأن القاتل الذي قتل والدي، وهو مواطن بريطاني، لا بد أنه سيخضع لتحقيق دقيق ومفصل، ولكن سرعان ما تبين لي عكس ذلك تماماً.
خلال المؤتمر الصحفي الذي كان يفترض أنه سيعقد من أجل أن أوجه نداء للشهود تم إلغائه صباح اليوم المحدد لعقده من قبل الشرطة، وقال لي أحد ضباط الشرطة بشكل "غير رسمي" أنهم لم يسمح لهم القيام بعملهم بشكل صحيح. مراراً وتكراراً قالوا لي إنهم يعلمون أن مقتله كان سياسياً إلا أنهم كانوا غير قادرين على قول ذلك علناً، فإنهم لا يستطيعون الوصول إلى الليبيين الذين كانوا يريدون استجوابهم ولم يستطيعوا أن يصرحوا علناً عن هوية الذين يعتقدون أنهم كانوا وراء هذه الجريمة.
وبعد أسبوعين من مقتل والدي تم طرد دبلوماسي ليبي يدعى خليفة بازيلية نتيجة اتهامه بأنه كان يراقب ويهدد بعض المواطنيين الليبين المعارضين المقيمين في المملكة المتحدة، وكشفت بعض وثائق الإستخبارات البريطانية التي تم الكشف عنها من قبل أجهزة الـMI5 والـMI6 في وقت لاحق، بينت بأن أجهزة الإستخبارات كانت تشتبه في أن المدعو خليفة بازيلية كان مسؤولا عن جرائم اعتداء على بعض المواطنين الليبيين في المملكة المتحدة، ورغم ذلك اختاروا أن يطردوه قبل أن تتاح فرصة لاستجوابه بخصوص جريمة مقتل والدي. حتى يومنا هذا لم يتضح لنا تفسيراً واضحاً عن سبب قرار ترحيله بهذه السرعة ولماذا لم يستجوبوه عن جريمة قتل والدي، ولكن اتضح لي بأنه هناك مصالح أخرى يبدو أنها أهم من الوصول إلى الحقيقة.
إن جريمة مقتل والدي هي جريمة واحدة فقط من قائمة طويلة من الجرائم التي ارتكبت من قبل النظام الليبي وبقيت دون عقاب ودون حل.
وفي الوقت الذي أعرب أحد المسؤولين الليبيين هذا الاسبوع عن اعتزازه لكون أن قضية الإفراج عن المقرحي كانت على طاولة النقاش وفي كل لقاء مع السياسيين في المملكة المتحدة – إلا أنه لم تكن هناك حاجة ملحة مماثلة بين المسؤولين البريطانيين للضغط على المسؤولين الليبيين من أجل الوصول إلى العدالة في قضية مقتل والدي أو في قضية أكثر وضوحاً منها وهي قضية مقتل الشرطية ايفون فلتشر؟
تم قتل الشرطية فليتشر خارج مبنى السفارة الليبية في لندن في عام 1984 أطلقت من بندقية رشاشة من قبل مسؤول ليبي داخل السفارة، والشرطة البريطانية منذ ذلك الوقت توجهت إلى ليبيا للتحقيق في الجريمة وهم يعتقدوا بأنهم يعرفون من هو الذي أطلق النار عليها ولكنهم لم يتمكنوا من استكمال تحقيقاتهم. كنت أتمنى أن تقوم الحكومة البريطانية بالاهتمام بتلك القضية على الأقل قبل أن تحتضن النظام الليبي، ولكن والدة الشرطية ايفون فليتشر السيدة كويني لن تشاهد قاتل إبنتها يقدم إلى العدالة.
هذا الاسبوع كتب هشام جاب الله مطر، الحائز على جائزة بوكر للروايات، كتب مقالا مؤثرا جداً عن والده جاب الله مطر الذي تم إختطافه في مدينة القاهرة منذ 20 عاماً وتوجه به مختطفوه إلى أحد السجون الليبية، كتب قائلاً بأنه لم يسمع أي أخبار عن والده منذ أكثر من 14 عاماً وحتى يومنا هذا لا يعلم هو واسرته إذا كان والده على قيد الحياة أو أنه قد فارقها، وهم ينتظرون سماع أي خبر أو معلومة عن اطلاق سراح سجناء من السجون الليبية آملين أن تصلهم أخبار طيبة عن والدهم.
كتب هشام مطر قائلاً: "والدي لم يسجن.. ولكنه ليس حراً.. فهو لم يمت.. ولكنه ليس على قيد الحياة.. تتجدد آلام الفقدان وهي مصرة وغير مكتملة... "
لا أستطيع تخيل المعاناة التي تمر بها أسرة مطر عند سماع تصريحات بعض السياسيين الساخرة عن التغيير في ليبيا...
لم تقم أي من البلاد الغربية التي اندفعت للترحيب بالنظام الليبي في الساحة الدولية بالمطالبة أو السعي وراء إجراء تحقيق في أي من قضاية "اختفاء" ضحايا النظام الليبي. منظمة "هيومن رايتس ووتش" في العام الماضي قالت في تقريرها بعنوان 'ليبيا: حقوق الإنسان في خطر' قالت: 'وحتى هذا التاريخ، المشاركة الدولية مع هذه الدولة الغنية بالنفط تتركز على مكافحة الإرهاب والعلاقات التجارية، ولم تعالج معالجة كافية الإصلاح السياسي وتحقيق الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان '.
هذا التصريح يعتبر ضعيفا وغير كافيا في حقيقة الأمر، فإن الأمور تغيرت منذ ذلك الوقت، فالحكومة الليبية تفهمت أهمية دور العلاقات العامة ودبلوماسييها عملوا بجد لإقناع الغرب بأن بلادهم بالإمكان أن يكون لها دور أساسي في قضية محاربة ما يسمى بالإرهاب وانهم "تجاوزوا" سنوات تفجير الطائرات وتمويل الحركات المسلحة والقتل واغتيال أعدائها في الخارج.
ولكن في حقيقة الأمر فإن "ليبيا الجديدة" لم تتغير كثيراً، فالنظام لا يزال يقوم بقمع كل من عارض النظام، فعلى سبيل المثال فتحي الجهمي أحد أبرز المعارضين في ليبيا دعا إلى حرية التعبير والإصلاحات السياسية وبعد سنوات وهو في قبضة أجهزة النظام دخل في غيبوبة ونقل الى مستشفى في الأردن حيث توفي هذا العام.
والآن ليبيا لم تعد دولة منبوذة، فإنه من الصعب للمواطنين إقناع الغرب أن النظام في ليبيا لا يزال يمارس الوحشية.
أحد المواطنين الليبين الذين تقدموا بطلب اللجوء السياسي في السويد وهو السيد محمد عادل أبو علي تم ترحيله إلى ليبيا بعد أن رفض طلبه عام 2008، تم اعتقاله فور وصوله إلى ليبيا وتوفي في السجن خلال شهر من اعتقاله وقالت السلطات الليبية بأنه قام "بالانتحار" ولكن العديد من جماعات حقوق الإنسان رفضت هذه الإدعاءات.
وفي حزيران 1996، كانت هناك جريمة قتل جماعي لأكثر من 1000 سجيناً سياسياً في سجن أبو سليم، ولم يتم التحقيق أو حتى إدانة هذه الجريمة، وتم الكتمان عن هذه الجريمة من قبل النظام الليبي ولم تخرج تفاصيل إلا في عام 2001 وعام 2002 ، عندما تم إبلاغ بعض الأسر عن وفاة أقاربهم المسجونين.
قائمة الجرائم التي تطول، فالحقيقة هي أنني لا أتوقع الكثير من السلطات الليبية، لأنها دائماً عودتنا على الوضوح التام تجاه أهدافها ومساعيها دون أي حرج ولم يقدم النظام في ليبيا بأي شكل من الأشكال على أنه يأسف على هذه الممارسات. ولكن الذي كنت أتوقعه هو أن السياسيين المنتخبين ديمقراطياً في بريطانيا الذين هم مسؤولين أمام مواطني بريطانيا من أجل الكشف عن الحقيقة والمطالبة بالعدالة، كنت أتوقع منهم تحقيق هذه العدالة بدلاً من المزيد من جرعات الخداع السياسي وإخفاء الحقيقة.
* عن صحيفة Spectator البريطانية
ترجمة: أبو علي