|

|
|
بقلم: رامي الخوري*
|
إذا كان هناك لحظة ما وشخص محدد في حقبة محددة جلبت الأحزان العميقة للأمة العربية بأجمعها فهي تطل علينا في ذكراها السنوية الـ40 هذا الاسبوع. بتاريخ 1 سبتمبر 1969 الانقلاب الذي أوصل العقيد معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا. فليس هناك ما نحتفل به اليوم في ليبيا سوى هدر الكم الهائل في تلك البلاد من الموارد البشرية والطبيعية على مدى أربعة عقود.
هذه المأساة هي كارثة بالنسبة للعالم العربي الحديث بأكمله ليس فقط بسبب ما تعانيه ليبيا والتبذير الذي تشهده مواردها، ولكن أيضا لأن ليبيا ليست سوى مثال بسيط للتشويه الذاتي التي تشهده الدول العربية والمحن التي عرفتها الكثير من دول المنطقة منذ استقلالها. وهذه الحقبة هي أيضا تشكل اللحظة التي ينبغي أن تحفز التأمل الهادئ من قبل الذين هم في الغرب ويتعاملون مع العالم العربي من أجل المصالح الأنانية الوقحة.
القذافي في ليبيا يمثل كافة الصفات السيئة التي دائماً نتخوف أن تصيبنا كمجتمعات ونظم وقيادات في الدول المستقلة. فمن أين نبدأ في سرد الأسباب التي تجعل هذه الذكرى الأربعين لحكم القذافي بأنه احتفالية جوفاء، فهو ومن معه في دائرة الحكم الصغيرة استطاعوا أن يحققوا الفشل في كل ما هو ممكن في إطار حكم الدولة.
الفشل الأكبر الذي تسبب فيه القذافي ونظامه هو خنق البلاد من الداخل، وفرض الحصار الداخلي على شعبه عن طريق تهجير خيرة أبنائه أو قتلهم وإخضاع الباقي إلى العيش في حياة تسودها الأطماع المادية والإهانة السياسية. جوهر الكارثة في ليبيا – وهي تشترك فيها مع العالم العربي بأسره – هي عدم وجود حرية للمواطن العادي. ليبيا تعد حالة خاصة لأن نظامها يجمع بين الشمولية والانحراف وإهدار الثروات الضخمة بالإضافة إلى أنها أصبحت موضع السخرية في الساحة العربية والدولية.
إذا كان جزء كبير من الثروة البشرية في ليبيا فد أجبرت على الهجرة إلى الخارج، فمعظم ثروتها المادية أصبحت تبعثر في إحدى أكبر حالات التذير الذاتي في العالم الحديث.
إذا أخذنا أقل الافتراضات بأن دخل ليبيا السنوي من صادرات النفط 10 مليار دولار على الأقل خلال الأربعين سنة الماضية، حيث نعلم بأن في بعض السنوات وصل دخلها إلى أكثر من 45 مليار دولار (مثل العام الماضي 2008 على سبيل المثال) فبإمكاننا أن نتسائل: "ما هي الإنجازات التي حققها النظام في ليبيا لإبراز نتيجة الـ400 مليار دولار من إيرادات النفط التي تراكمت منذ عام 1979).
في عيون العالم خلال العقود الأخيرة صارت ليبيا من أكثر الدول المرتبطة بالإرهاب. في تفجير طائرة بان آم في لوكربي، وتفجير ملهى ليلي في برلين، وإسقاط طائرة مدنية يوتا الفرنسية في إفريقيا. هذه ثلاثة أمثلة فقط من بين الأمثلة الصارخة التي صدرت في حق ليبيا، بالإضافة إلى أن العديد من اللبنانيين يفترضون بأن الزعيم الشيعي موسى الصدر قتل خلال زيارة قام بها الى ليبيا في عام 1978.
ليبيا دفعت تعويضات إلى عائلات ضحايا لوكربي وطائرة ال"يوتا" مما ضاعف من الخجل من ادانته للإرهاب ضد المدنيين الأبرياء، الأمر الذي تسبب في المزيد من إهدار الثروة الوطنية الليبية.
ليبيا تعرضت لعقوبات وهجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة (ما أدى إلى مقتل ابنة القذافي**). ليبيا هاجمت جارتها تشاد عدة مرات، وبشكل روتيني كانت حدودها مع جيرانها مغلقة، وسعى النظام في ليبيا الى تطوير أسلحة الدمار الشامل، ثم تخلى عن ذلك البرنامج الذي تسبب في إهدار المزيد من الثروة. كما سعت ليبيا مرارا وتكرارا ولكن دون جدوى إلى الوحدة مع الدول المجاورة أو مع بعض الدول الأخرى التي هي على بعد من حدودها، وفي الوقت نفسه كان النظام في ليبيا يوفر الأموال والأسلحة إلى حركات التمرد في إفريقيا وأوروبا وآسيا. أصبح حضور ليبيا لاجتماعات القمة العربية يزيد تلك اللقاءات الهزلية مزيدا من الهزل والسخرية ، وأصبحت رحلات الزعيم الليبي إلى الخارج تحظى بتغطية إعلامية دولية هي أكثر مسرحية من أنها حدث أو خبر.
في سلسلة من أربعة عقود طويلة ومكثفة بالفشل أصبح من الصعب أن نصدق حقيقة هذه المأساة في ليبيا لولا أن ذلك هو الواقع الذي نشهده اليوم. الآن أصبح مطلوب منا أن نصدق بأن أبناء القذافي الذين يمثلون ورثة الحكم بأنهم يؤمنون بالديمقراطية والليبرالية، ولكن هذا الأمر من الصعب أن يؤخذ محمل الجد، حيث أن السلطة لا تزال تمارس من قبلهم من دون أي مساءلة حقيقية. هذه ذكرى حزينة لأرض غنية ولكن عاشت فترة معظمها عانت من العزلة والإدانة الدولية والسخرية نتيجة الإهدار والإهمال في العقود الأخيرة.
وفي الوقت الذي يتفرج فيه العالم العربي بصمت مع العلم أن حكاية الجماهيرية ليست غريبة على منطقتنا – فهي مجرد أسوأ مثال للإهدار والفشل الإداري التي أصبحت السمة المميزة للعالم العربي الحديث.
والعالم الغربي في الوقت نفسه يتطلع إلى ليبيا للمزيد من العقود التجارية المربحة، متاجهلا القيم التاريخية الخاصة به في الشرق الأوسط ومتجاهلا سعي المواطن العربي العادي لنيل الحياة الكريمة. ليس هناك ما نحتفل به اليوم.. بعد 40 عاماً و400 مليار دولار ليس هناك شيء نستطيع أن نحييه سوى الحزن والأسى.
* رامي الخوري يكتب في صحيفة الـDaily Star مرتين في الاسبوع
ترجمة: أبو علي
** تعليق المترجم: تبين فيما بعد بأن التي الطفلة التي قتلت في الغارة ليست إبنة القذافي بالتبني كما إدعى العقيد القذافي.
ترجمة لمقال: Nothing to Celebrate in Libya Today
http://www.agenceglobal.com/article.asp?id=2117