بقلم على الفزاني
3 – كوابيس النهاية ..
لم يتسع المقام في الحلقة السابقة كي أشير الى عدد من الهزايب والاهانات الاخرى التى تعرّض لها " حكيم العالم" [ تخيلوا نوع العالم الذي يتحدث عنه برلسكوني عندما يكون القذافي حكيمه ؟!] عند زيارته اللعناء الى بلاد الامير "كا" وخطابه أمام هيئة الامم المتحدة.
لقد ادرك القذافي على الفور دلالة هذا السيل من الهزايب والصفعات وصور التحقير والازدراء ، التى تعرض لها خلال هذه الرحلة المشؤومة والتى كان يؤمل أن تكون " فتحاً مبيناً" كما تكهن كبير سحرته له. لقد ادرك أن هذه الهزايب ليست مقصودة لذاتها كما تعود هو أن يفعل في علاقاته العربية والافريقية ولكنها هزايب قصد منها أن تحمل اليه رسالة سياسية واضحة مفادها " انتهى الدرس يا غبي" ومفادها أيضا أنه " لم يعد له ولنظام حكمه مكان في المجتمع الدولي " ومفادها " أنه سقط بجدارة سقوطاً مريعاً في آخر فرصة اتيحت له للخروج من المسرح السياسي الدولي بأقل الاهانات والاضرار الممكنة". لقد قرأ القذافي هذه الرسالة في وجوه بعض رؤساء الوفود الذين قابلهم عرضا خلال هذه الدورة من أوروبيين واسيويين وأفارقة وعرب، وفي الكلمات القليلة التى صدرت عن بعضهم وفي التناغم والتشابه في نظراتهم اليه وكلماتهم له، كما قرأها فيما بعد في نوع الاسئلة التي وجهت اليه اثناء حضوره المبتسر امام المجلس الامريكي للعلاقات الخارجية وخلال المقابلتين التليفزيونيتين اللتين اجرتهما معه قناة سي إن إن ... لقد كانت الاسئلة خلال هذه اللقاءات تكاد لا تعني شيئاً .. كانت اشبه ما تكون بالاسئلة التى توجه إلى مخلوق يحتضر ويلفظ انفاسه الاخيرة ، ولا معنى لمحاولة الحصول منه على أي أجوبة ذات معنى. كما لم يفت القذافي أن يقرأ دلالة هذه الرسالة في الوجوم الذي ظهر على وجه ابن عمه أحمد قذاف الدم ، وفي نظرات الارتباك التى لا تخلو من تشفي وشماتة التى طبعت وجهي كوسة وشلقم أما الأبله المعتصم فيبدو أنه كان مشغولا بقضايا " الأمن القومي " عن كل ما حوله وما كان يعانيه أبوه في تلك الايام . وأما علي التريكي فقد كان مهموماً بقضية أخرى وهي ماذا يحدث له لو سقط نظام القذافي خلال سنة ترؤوسه للجمعية العامة للأمم المتحدة.. هل سيبقى في هذا المنصب أم سيجرى اسقاطه وطرده هو الأخر من هذا المنصب؟.
على أي حال ،لقد أدرك القذافي الدلالات السياسية لكل ما تعرض له ، أدرك الخطر الداهم الذي بات يتهدده ويتهدد بقاءه وينذر بزواله .. وكعادته فقد بدأ يتحرك وبسرعة فنادى على شلقم الذي كان قد عاد لتوه من جلسة مجلس الامن .. وبعد أن تفرسه القذافي بنظرات هي مزيج من الغضب والاحتقار - قائلا في نفسه كيف يسمح لهذا التافه بحضور مجلس الأمن ولا يسمح لي أنا القائد الاممي بذلك؟!- ماذا فعلت بلقائي المزمع مع الرئيس الامريكي السابق بوش الاب؟ وماذا عن لقائي مع وفد يهود نيويورك؟.. وأجابه شلقم على الفور بأن بوش الاب اعتذر عن اللقاء به لاسباب طارئة لم يوضحها لهم .. أما اللقاء بالوفد اليهودي فما يزال في موعده ويتوقع حضور الوفد خلال بضع ساعات .. لقد ادخل الخبر الثاني السرور على "القايد" وأنساه ما تضمنه اعتذار بوش الاب من أهانة.
دخل القذافي الى جناحه الخاص من أجل أن يتهيأ لإستقبال الوفد اليهودي وقبل أن يجلس إلى مكتبه ألقى بجسمه المنهك المهدود على الأريكة الخضراء وشرد بخياله مستعرضا ذكريات واحداث ووقائع وتواريخ واسماء كثيرة ..
بعد هذه السرحة الطويلة اعتدل القذافي في جلسته وأخذ يقهقه مردداً في نفسه :مساكين هؤلاء الليبيين وحتى هؤلاء العرب .. إنهم لا يعون شيئاً وذاكرتهم مثقوبة .. وإرادتهم مهزومة.
في هذه اللحظة طرق عليه الباب الأعور وشلقم ليخبراه بأن الوفد اليهودي قد وصل وأنه في انتظاره.. وعلى غير عادته ، فلم تمض سوى دقائق قليلة حتى كان القذافي يسلم على أعضاء الوفد الزائر بكل حرارة وترحيب وتواضع ومسكنة.
ولم تمض لحظات حتى وجد القذافي نفسه مسترسلا في حديث طويل مع أخواله لم يكن فيه محتاجاً الى مترجم ليبي فقد كان أحد أعضاء الوفد يجيد العربية ، تناول فيه ما تعرض له اليهود من اضطهاد في العالم ولم ينس أن يمر على المحرقة [التى كاد أن يجهش بالبكاء عند ذكرها ] كما اشاد بقدراتهم الابداعية في شتى المجالات العلمية والمعرفية وذهب الى حد القول بأنه لولا اليهود لما أستطاع العالم ان يتوصل الى ما توصل اليه من تقدم وحضارة ثم عرّج بحديثه على اصدقائه من الساسة ورجال الاعمال والمفكرين اليهود واستعرض امامهم زيارة المؤرخ برنارد لويس له في نهاية العام الماضي وما دار بينهما من حوار حول مستقبل الشرق الاوسط وعند هذه النقطة أخذ القذافي يتحدث عن حبه للسلام وأنه يتطلع الى اليوم الذي يقوم فيه السلام بين اسرائيل وبين افريقيا والعالم العربي والعالم الاسلامي وأنه يعتبر نفسه جنديا في هذه المهمة المقدسة وأنه على استعداد في هذا الصدد لأن يقوم بزيارة اسرائيل في القريب ، ثم عرّج في حديثه على قوى التطرف والارهاب في الدول العربية والاسلامية وكيف أنه لم يأل جهداُ في حربها.
ثم تناول "القايد" اليهود الليبيين الذين غادروا ليبيا وأكد استعداده لإستقبال من يرغبون منهم في العودة اليها ورد ممتلكاتهم اليهم او تعويضهم عنها تعويضاً مجزياً. ولم يفت القذافي أن يتوسل الى الوفد اليهودي بأن يوظفوا نفوذهم في ادارة الرئيس أوباما لإقناعه بإستخدام ما لديه (اي القذافي ) من مكانة وامكانيات في القضاء على " الارهاب " وتحقيق " السلام" ،ظل اعضاء الوفد صامتين جلّ الوقت ولم تصدر عنهم سوى ملاحظات محدودة انصبت معظمها على انتقاد مواقف الدول العربية " المتطرفة " و " الارهابيين" . غير أن الذي ازعج القذافي كثيرا خلال تلك المقابلة أنه لم يظهر على الوفد اي ترحيب أو حماس لفكرة زيارته لإسرائيل [على غير ما كان يتوقع] كما لم يعلقوا بأي كلمات على توسله اليهم بإستخدام نفوذهم في إدارة أوباما لصالحه، الامر الذي اعتبره القذافي بمثابة صفعة وهزيبة أخرى ونذير شؤم اضافي[ حتى اخوالي يبدوا انهم يريدون التخلي عني].
يتبع الحلقة القادمة : الهروب الى الهاوية.