الشعب الليبي قاطع بإصرار مسرحية سلطة الشعب!؟  
العودة إلى المقالات

الشعب الليبي قاطع بإصرار مسرحية سلطة الشعب!؟

بقلم: سليم نصر الرقعي

لقد أصبح عزوف معظم الليبيين - لاحظ أنني أقول معظم الليبيين! - عن حضور ما يسمى بجلسات المؤتمرات الشعبيه الأساسيه ظاهرة شعبية وإجتماعيه وسياسيه عتيده لا يمكن إنكارها ولا يمكن أن تخطأها عين المراقب المحايد مهما كانت محاولات التغطية والتزيين ومهما كانت محاولات التبرير والتلحين وعلى الرغم من لعبة الخداع البصري التي تنفذها عدسات المصورين من أجل إخفاء الحقيقة وستر (العوره!) عورة التجربه الشعبيه المزعومة أو الموهومة [1] .. فظاهرة عزوف الليبيين الكبير عن حضور المؤتمرات الشعبية يشكل صفعة للنظام كما أن يعكس حالة مقاطعة شعبية عارمة لهذا النظام .

وأصبحت ظاهرة العزوف تتفاقم وتزداد عاما ً بعد عام حتى أصبحت واقعا ً ليس له من دافع مما إضطر القذافي ذات مره للإعتراف بها على مضض – وبصوت خفيض- محاولا ً تبريرها بأنها جاءت نتيجة ضيق مكان الإجتماع وعدم قدرة الحضور على الكلام بسبب الإزدحام وضيق الوقت وهي محاولة تبريرية سخيفة ومفضوحة !! .. وقد كان النظام ولمعالجة هذه الظاهرة الشعبية الصارخة إتخذ عدة تدابير وإجراءات عقابيه للمتخلفين عن المشاركه في هذه المسرحيه الهزليه المسماة زورا ً وبهتانا ً بسلطة الشعب! .. حيث أن القذافي في بداية ظهور هذه الظاهرة الشعبية قد دعا وبشكل علني وفي خطاب رسمي عصابة اللجان الثوريه إلى جرجرة الناس إلى المؤتمرات الشعبيه غصبا ً عنهم حتى يتعودوا على حضورها بل جعل هذه الجرجره أو الكركره كما عبر عنها من أهم وظائف حركة اللجان الثوريه قائلا ً :

" يجب على اللجان الثوريه أن تكركر الناس لحضور المؤتمرات الشعبيه غصبا ً عنهم حتى يتعودوا على حضور المؤتمرات ! "

بل ووصل به الأمر ذات مره إلى تهديد المتخلفين بتحويلهم إلى عبيد أو حرمانهم من حصتهم في السلع التموينية كما قال غاضبا ً ذات مره في إحدى مداخلاته! .. ولكن وعلى الرغم من كل هذه التهديدات وكل هذه الإجراءات وكل هذه العقوبات وكل هذه " التكركيرات!" ظل معظم الليبيين على موقفهم القديم العتيد كما هو .. أي العزوف وعدم الحضور! .. أو يكون الحضور بغرض التوقيع ثم الإنصراف عند الضرورة القصوى! .. أو الجلوس بصمت للتفرج والتفريج في أحسن الحالات! .. ومن ثم ومن أجل الحفاظ على ماء الوجه وعلى الصورة الرسميه الإعلاميه التي تدعي أن الشعب الليبي يحكم نفسه بنفسه لنفسه من خلال المؤتمرات الشعبيه الأساسيه في نظام "ديموكراسي!" فريد وبديع إختار النظام في نهاية المطاف وبعد أن يأس من معالجة هذا الموقف الشعبي العتيد أن يتكتم على هذا الأمر برمته ويرضى بالقليل(!) ويستمر في عملية التضليل والتدجيل (!!) ثم يعوض ذلك كله بالكذب الدعائي الإعلامي المستمر من خلال تعبيرات ضخمه فخمه دعائيه لا أصل لها في الواقع الليبي كالقول بأن الجماهير الليبيه الغفيره والجماهير الشعبيه أخذت " تتقاطر!" هذه الأيام على حضور جلسات المؤتمرات الشعبيه! .... إلخ .. ثم التلميح وبشكل عابر أحيانا ً إلى أن " البعض " لا يحضرون بسبب جهلهم ورضاهم بالعبوديه بينما الحقيقه أن الأغلبيه هم من لا يحضرون!.

وعلى الرغم من كل هذا العزوف العتيد وهذا الفشل الذريع في التجربه خلال هذه العقود إلا أن القذافي الأب - وكذلك الإبن - لا يزالان يصران على أن (الفكره) في حد ذاتها – أي فكرة السلطة الشعبيه - صحيحه لا يمكن مناقشتها (!!) أو التخلي عنها [2] أو إستبدالها بشئ آخر فهي فكرة كامله ومثالية لا تحتمل الخطأ ولا تحتمل بالتالي النقد والدراسه النقديه الحره (!) ومن ثم يحرم مناقشتها ويجرّم من ينتقدها في الجماهيريه العظمى فضلا ً عن رفضها أو معارضتها (!!) وإلا فإن مصير من يجرؤ على إرتكاب هذا المحرّم يكون كمصير الكاتب والصحفي الليبي " ضيف الغزال " – وهو مواطن ومثقف ليبي كان عضوا ً في اللجان الثوريه ثم أبدا بعض التحفظات والإنتقادات للوضع القائم – فإختطفوه في إبريل 2005 ثم عذبوه ثم قتلوه ثم أنكروا أنه ليبي أصلا ً (!!؟؟) .. وكذلك فعلوا بالبطل فتحي الجهمي الذي إنتقد النظام في عقر دار المؤتمرات الشعبية .. فالنظريه - بزعمهم - أي بزعم القذافي وإبنه ومن يطبل لهما - شئ مقدس وحق مطلق لايمكن مناقشته أو معارضته وإنما الخلل والقصور والفشل – بزعمهم - هو بسبب سوء التطبيق ليس إلا !!..سوء التطبيق الناجم عن جهل وتخلف الشعب الليبي الذي لم يتمكن لجهله وتخلفه أن يرتقي لمستوى أفكار ونظريات القائد الملهم !! .. ومن ثم لا يجرؤ أحد على مواجهة ذكر الأسباب الحقيقيه والواقعيه و( الجذريه ) لعزوف ( معظم الليبيين ) عن ممارسة سلطتهم وسيادتهم المزعومه !؟ .. ولا تفسير عندي لهذه (الحاله) الموجوده أو (الظاهره) المشهوده - أي حالة وظاهرة عزوف معظم الليبيين عن المشاركه في المؤتمرات والمظاهرات الشعبيه - إلا بأمرين :
(1) إما لأن معظم الليبيين جهلة وقـُصر ومتخلفون ولا يعرفون قيمة الأشياء وعظمة النظريه ولا يدركون مصلحتهم الحقيقيه ولا يعرفون حتى الجار من المجرور .. كما يصفهم القائد الملهم في كثير من مداخلاته ! .

(2) وإما لأنهم بسليقتهم من جهة ومن خلال تجربتهم الطويله والمريره من جهة أخرى أدركوا بشكل يقيني لاشك فيه " حقيقة الواقع الفعلي " .. تلك الحقيقه التي يعرفها كل بسطاء وزعماء وعقلاء وعلماء العالم والتي مفادها أن زمام السلطة والثروة والسلاح في ليبيا ليس في يد المؤتمرات الشعبيه - كما في الشعار الرسمي الشكلي - بل هي - وكما في الواقع الفعلي - في يد "الخيمه" .. خيمة العقيد معمر القذافي .. هذا العقيد الذي يمارس من خلال عباءة هذا النظام الشعبي الفضفاض ومنذ وصوله للسلطة بشكل غامض ومشبوه على ظهر دبابة حتى اليوم سلطات وصلاحيات شموليه مطلقه بلا مساءله ولا مسؤوليه ولا رقيب ولا حسيب ! .. سلطات وصلاحيات لا يتمتع بها أي "ملك" من ملوك الدنيا أو أي "رئيس جمهوريه" في هذا العالم الطويل العريض!! .. وستستمر هذه المسرحيه الفاضحه وسيستمر هذا الخداع والدجل والتلاعب بالألفاظ والشعارات إلى ما شاء الله ولكن الشئ المؤكد هو أن نور الشمس لا يمكن بحال تغطيته بالغربال ! .. وصوت العقل والحق سيظل يصدح في إذن القذافي :

(( إنك تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت..وتستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت..ولكنك لن تستطيع أبدا ً أن تخدع كل الناس كل الوقت !)) .

سليم نصر الرقعي

[1] لاحظنا في جلسات المؤتمرات الأخيره المهجوره أن الحاضرين يتم توزيعهم داخل القاعة بطريقة تستهدف تغطية العورة – عورة العزوف العتيد – حيث يكون بين كل شخص وآخر عدة مقاعد في محاولة بائسة ومضحكة لإظهار القاعة وكأنها ممتلئة!!.

[2] ذكرت في أكثر من مقالة أن السر الحقيقي وراء إستمساك القذافي وولده بهذه النظام " الجماهيري " الفضاض وبالإدعاء الرسمي القائل بأن السلطة والثروة والسلاح في ليبيا هي بيد الشعب لا يكمن في قناعتهم بالفعل أن هذا النظام هو الحق التام أو أنه هو النظام الذي تتحقق فيه الديموقراطيه بالفعل بل السر الحقيقي يكمن في أن هذا النظام الفضفاض المهلهل غير المفهوم وغير الدستوري هو ما يتيح لهم عمليا ً التمتع بصلاحيات واسعه ومطلقه – تحت مسمى الشرعيه الثوريه - في التصرف بالشأن العام والمال العام بلا أي رقيب ولا حسيب !.


Posted on Sunday, February 28, 2010

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.