|
تقديم: وطني 100
مُقدمة:
ميكافيللي ،أو الميكافيللية ، كلمة اصبحت تدل على الخبث والخِداع والفساد في السلوك السياسي، حتى بات من الواجب على كل سياسي ان يقوم بدراسة الفكر الميكافيللي بغرض إتقان قواعد اللعبة السياسية . كثير من المستبدين امثال موسوليني ، وهتلر، وتشرشل، بل والحركة الصهيونية ، وجمال عبد الناصر ، قد تبنوا افكار هذا الكتاب .في حين أن (فولتير) المدافع عن الحريات المدنية، قد ارتأى انه من الواجب مواجهة سموم ميكافيللي المنتشرة بين الحكام ، بحيث يستلزم الامر ان نقي الناس منها . عكس فولتير نجد أن (روسو) صاحب نظرية العقد الإجتماعي ، وجد أن ميكافيللي قد تظاهر بإعطاء الدروس للحكام ، بينما واقع الامر هي دروس للشعوب كي تنهض . وليس من الغريب والعجيب إذا أكتشفنا ان القذافي كان احد المُعجبين بأفكار ميكافيللي ، وهو امر يسهل ملاحظته في مكره الشبيه بمكر الذئاب وضراوته التي تشبه ضراوة الحيوانات المفترسة ، وفي افكاره المستبدة التي جانبت الصواب والاخلاق ، وبثقافة القذافي وتظاهره بالإخلاص، وبحفظه للعهود حين يستلزم الامر فائدة تعود عليه ، ما عدا ذلك فهو يتصف بالغدر وعلى فساد طبيعته البشرية ، وامراضه النفسية، وسياسته المستبدة التي اتبعها مع شعبه . عليّ تأكيد انه سواء كانت أفكار هذا الكتاب خبيثة ام بغيضة ، فأنني أترك للقاريء حرية تكوين فكرة صائبة عن الكتاب وصاحبه من خلال الرجوع الى السيرة الذاتية لميكافيللي وللكِتاب من خلال الرابط الملحق بهذا التقديم ..*
كما يمكن للقاريء الكريم مقاربة افكار هذا الكتاب ، الذي تقتضي قرأته ، جهداً وصبراً كبيرين ، بما يحدث في ليبيا اليوم وكيف أن النظام قد أستفاد ولا يزال ، من افكار ميكافيللي ، لعل أهمها تلك الأفكار المتعلقة بالحاكم وكيفية بطشه بمعارضيه والقضاء عليهم ، وطريقة القذافي الإستيلاء على ممتلكات واراضي الأخرين ، وبقيامه شن الحروب العدوانية على الدول المجاورة ، والإبادة الجماعية لاعدائه . الغاية عند الكاتب تبرر الوسيلة وهو صاحب هذه العبارة المشهورة ،فهو قد سمح بإستخدام كل الوسائل في الصراع السياسي . فقد برر القسوة والوحشية في صراع الحكام على السلطة . ومن الملاحظ أن تطبيق مقولة ان الغاية تبرر الوسيلة ، امر وجد له مناخاً ملائماً في ليبيا . كثيرون بنوا عليه مصالحهم وقيمهم مهما كان الثمن ، حتى لو كان على حساب حياة الأخرون وسمعتهم ، فالغاية عندهم هي الاصل التي يجب أن تكون السبب وراء اتباع اية اساليب ووسائل للوصول الى تلك الغاية ، مهما كانت الوسائل ، سواء كانت بيع دين او ضمير او شرف ، متجاوزين اخلاقنا وديننا. امر بلور علاقاتنا الشخصية والإجتماعية التي تحولت الى منطق المصلحة الشخصية، فلم يقتصر الامر على الناحية السياسية فقط . مساحة الشر عند ميكافيللي أكثر من مساحة الخير، ومساحة الانانية لدى البشر هي مساحة فطرية غالبة . لذا استند ميكافيلي على الواقع المنحرف للكثير من الناس ، ضارباً عرض الحائط بمباديء الحق والعدل والخير والفضيلة ، ففي رأيه أن أكثر الحكام غير الشرعيين لا يلتزمون بالمباديء الأخلاقية الفاضلة ، ومع هذا هم أكثر بقاء وإستقراراً بالحكم من الحكام الشرعيين الذين يلتزمون بتلك المباديء ( القذافي اصدق مثل على هذه الجزئية ، فحكمه غير شرعي ، وهو غير ملتزم بأية مباديء سوى مباديء الشر ، ومع هذا هو الاطول في فترة الحكم من دون سائر الحكام ) . الحاكم ذو السلوك الجيد والاخلاق الفاضلة يهلك ، عليه يجب على الحاكم أن يكون ماكراً مثل الثعلب، وضارياً ضراوة الحيوانات المفترسة ، وان يكون غداراً عندما تقتضي الضرورة ( القذافي اتبع هذه النصيحة بحذافيرها وطبقها تطبيقاً جيدا ً، فالقذافي طبق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، ليتخذه وفق اقصى صوره المنحرفة والشاذة ، ليتسم سلوك معمر القذافي واخلاقه بالفساد في الارض وبالإجرام وبالظلم. فمن اجل تثبيت عرشه ، اتبع كل الوسائل الغير اخلاقية ، من غش وخديعة وتلاعب بالالفاظ والمفردات ، واللصوصية ، واكل مال الناس بالباطل ، وتدعيم رأسمالية اسرته . تبنيه وإستبداده لافكاره ، ادت الى إرتكابه للقتل الجماعي والفردي ، وتأميم املاك الأغنياء ، وإستعباده للشعب ، وجعله عبد لحزب لجانه الثورية التي تسلطت على كل شيء . جميع رذائل ميكافيللي مقبولة لدى القذافي ، فتهجمه الذي يمارسه على غيره لا يقبل ان يطبقه احد عليه ، فالغاية عنده تبرر الوسيلة ، مبدأ اتبعه القذافي ليتصرف كمجنون ، بل كشيطان مُجرم، فارضاً علينا نظرية شيطانية ، يمارس بها شذوذه ، ويطبق بها إجرامه دون ان يشار اليه اصبع إتهام كمجرم ، منحدراً الى أدنى مرتبة يمكن ان نتصورها بإنسان في هذا الوجود..(
قراءة هذا الكتاب تجعل القاريء يشعر أن القذافي يبدو وكأنه قد وضع هذا الكتاب تحت مخدته ، ليتأكد كل ليلة انه طبق تعاليم ميكافيللي بحذافيرها لتدعيم حكمه وضمان سطيرته على ابناء شعبنا . وإن كان هذا الكتاب قد افاد القذافي ليحكمنا ، فأنه في الوقت نفسه قد يمكننا من معرفة طريقة تفكير ونوايا القذافي وخططه ، وبالتالي طريقة خلاصنا منه ،كما يرى (روسو) ، عليه اقوم اليوم بتقديمه الى القاريء غير المطلع على ما جاء فيه . اسقطت الكثير من الأمور والجزئيات وان كانت مهمة خصوصاً الامثلة التاريخية ، التي ساقها ميكافيللي لشرح نظرياته . القصد هنا هو وضع ملخص بسيط قدر الإمكان للكتاب ، مع ترك فرصة الإستمتاع به ومن ثم الإستفادة مما جاء به ، مع محاولة إسقاط ما حواه من أمور مهمة ومصيرية وواقعية على ما يجري على الساحة الليبية اليوم . فعند قراءة جملة بالكتاب مثل ( اولئك الذين يصلون الى الإمارة عن طريق النذالة..) يتبادر الى ذهننا وبشكل سريع ومباشر كيف وصل القذافي ، في صورة إنقلاب ،من أجل تحقيق اهداف غاية في النذالة ، ليستغل وصوله الى كرسي الحكم ، ومن ثم ليقوم بعدها ، بنذالة ، بتصفية الذين يشكلون خطراً عليه ، بتهم الخيانة له ولسلطة الشعب ، ليمكننا قول انه وصل للسلطة بطريق النذالة ..او جملة ( ان الممالك التي يتم إحتلالها بمساعدة الأخرين او الحظ ...) يتبادر ذهننا وبشكل سريع ايضاً الى كيفية وصول القذافي الى السلطة بمساعدة الحظ وبمساعدة القوى الكبرى التي زرعته بالمنطقة ، دون أن يواجه اية مصاعب ليصل لهذه المكانة . الكتاب الذي جاءت ترجمته في (126 ) صفحة ، كان وكأنه إرشاد للقذافي بكيفية الإمساك بزمام الامور وإرشاد الى سبل جعل مكامن القوة في راحة يده وبأطراف اصابعه ، ليتمتع بالقوة مسلوباً من ادميته وإنسانيته ، دون إعتبار لمشاعر وأحاسيس ابناء شعبنا المسكين . عليّ تنبيه القاريء الكريم ، الى أن كلمة امير يقصد بها (حاكم) وقد تنصرف الى القذافي شخصياً في حالة إسقاط بعض مواضيع الكتاب على الحالة الليبية ، وقد تنصرف الى ابنه سيف ، الذي يهدف الى تنصيب نفسه حاكماً للبلاد بعد رحيل والده ، تحت أسم (مدير) بدل من رئيس او قائد ، كنوع من التحايل اللفظي وكنوع من إستعباطنا . فات على المدير الجديد، ان يعرف ان الشعب الليبي قد تعلم الدرس جيداً ، وانه بات قادراً على التمييز بين النبيل والطيب ، والسيء والشرير ، وان إساءات النظام قد وجهت الى كل واحد من ابناء الشعب الليبي ،حيث ان عيوب النظام ومخازيه ، لازالت حديثة العهد في واعياتنا ، امر يجعلنا ندرك ونعرف كل ما يخطط له ، وما يرمي اليه وانه بات مفضوحا ً، بل الاحرى به أنه كان عليه أن يدرس إحتمال قيامه بدور اكثر كرامة وشرفاً له ، بأن يقدم نفسه شرعياً وقانونياً ، كي يعود بنا الى نقطة البداية ، ليعلمنا عن مركزه القانوني الذي يخوله التنظير والتطبيل ، و قبل ان نتبنى اي من نظرياته التي يسوق لها بدكاكين (حميد) رخيصة الأثمان، وقبل ان ينبري بالدفاع عن الحرية والديمقراطية التي اشك في انه يفهم معانيها ، او قبل ان ينصب من نفسه داعية اومديراً تنفيذياً لشركة والده دون الرجوع للمجلس العمومي للشركة او لدستور إنشاءها ، إن كان لها دستور . اتمنى للجميع قراءة مفيدة وممتعة ...
الأنواع المُختلفة للحكوماتِ وُطرق إقامتها :
يقسم ميكافيللي الحكومات الى جمهوريات ومماليك ( لم يخطر عليه الجماهيريات ) والممالك إما أن تكون وراثية او ممالك حديثة (مثل مملكة ملك الملوك) والمشكلة عند ميكافيللي في الممالك الحديثة . فالناس تذعن لسيدها بإرادتها وعلى أمل تحسين احوالها ، ولكن متى ثبت لهم خِداعه لهم ، بمميزات لم يتحصلوا عليها ، فأنهم سيحملون السلاح ضده ، ومن هنا ينصح الكاتب الأمير بحاجته الدائمة الى حب الناس له حتى يستطيع السيطرة عليهم ( ومن هنا يعمل سيف القذافي جاهداً على الحصول على حب الجيل الجديد له بنذالة كما وصل والده ، فنراه يخدعهم بالكثير من الاماني التي لم يفي بها ) هناك حقيقة ان الاقاليم التي يتم إستعادتها يصعب فقدانها مرة اخرى لان الحاكم يكون اكثر حرصاً بكشف المتمردين والقضاء عليهم ، ومما يساعده على هذا الامر هو تحقيق امرين اولهما القضاء على الاسرة الحاكمة السابقة ( ولهذا قام القذافي بسجن اعضاء الاسرة المالكة وتجريد اعضاءها من امتيازاتهم ، وتشريد البقية منها كي يقضي عليهم فلا يلتف حولها المعارضين له ) والثاني عدم تغيير اي قوانين او ضرائب خاصة بالبلاد.(هذا الامر يعني ان سيف لو وصل الى كرسي الحكم ، فأنه سيكون من الصعب ان يفقد كرسيه ،لأنه سيكون اكثر حرصاً من والده بشكف من سيتمرد عليه ، ومن ثم القضاء عليهم ، او الزج بهم بغياهب جُب الكفرة الجديد الذي شيده لكم..)
حكم المماليك وطريقة الحكم :
لحكم الممالك طريقين ، ان يحكم الأمير يقاسمه المُلك بارونات واشراف يجري في عروقهم الدم الازرق ، والثاني ان يحكم يعاونه اتباعه الوزراء ، حيث يكون للأمير سلطات واسعة عليهم ، لا يعلوه أحد عليها ، فخدمه وموظفيه يعينهم هو، ويغيرهم هو، ويستدعيهم هو حسب هواه ، فهم عبيده المؤتمرين بأمره ، وهو بهذا الشكل يكون اكثر نفوذاً وقوة ، لان شعبه عندما ينظر اليه ، لن يروا سوى امير واحد لا يشاركه احد اخر الحكم ، ولا يقف بجانبه شخص تجري بعروقه دماء النبلاء فيسرق الاضواء منه ، وعليه فأنه لا خوف على الأمير سوى من الاسرة الحاكمة السابقة لذا كان امر القضاء عليها واجباً ..( هذا يعني أن سيف لن يسمح بأية إنتخابات تسمح بأن يقف اي كان بجانبه ، يمكن للشعب ان ينظر اليه لينافسه او ان يسرق الاضواء منه ..)
طريقة حكم المماليك في ظل قوانينها الخاصة :
عندما يفتتح اي فاتح بِلاداً حُرة ويسيطر عليها ، وتكون هذه البلاد مُعتادة على الحياة الحُرة ، فأن طريق السيطرة عليها يكون عن طريق مواطنيها ، وعن طريق التخريب ليعود فيحكمها على انقاض سلطتها السابقة ، لانه لو لم يقضي الحاكم على المدينة الحرة ، فأنها ستقضي عليه تمرداً بأسم الحرية التي سيستجيب لندائها أهل المدينة عند حدوث اي طاريء ،ولكن عندما يتعود الاهالي ، بالممالك السابقة ، طاعة الامير بعد فقدانهم لأميرهم السابق ، الذي عودهم الطاعة له ، و الذي تم القضاء عليه وعلى أسرته ، فأنهم لن يستطيعوا الإتحاد تحت راية واحدة ، وعليه فلن يحملوا السلاح ضده ، فالقضاء على الاسرة الحاكمة السابقة ضروري . اما اذا كانت جمهورية فأن تخريبها هو خير وسيلة لإمتلاكها ...
الولايات الجديدة التي ضمها الأمير بجيشه :
تتم السيطرة للأمير تبعاً لقدرات من يستولي على الحكم ، فالامر لا يعتمد على حسن الطالع فقط . فالصعوبات التي يمكن ان تواجه الأمير ترجع الى القواعد والتعديلات الجديدة التي ينظر الى إدخالها ليستتب له الامر وعلينا ان ندرك ان نجاح الأمير امر مشكوك فيه لأن من يريد الإصلاح لابد له من اعداء ، وهم قد يكونوا ممن كان يستفيد من النظام القديم ، وهناك سيكون ممن يؤيده بفتور رغم الإستفادة من النظام الجديد خوفاً من الخصوم ، وهناك سيكون ممن لا يقبل الجديد الا بعد تجربته ، فالمصلح دائماً يهاجمه خصومه بشدة بينما يدافع عنه الاخرين بفتور. المصلح او الأمير يجب ان يتشبه بعظماء الرجال ، وليس هناك اخطر عاقبة من تبديل الامور القديمة بأخرى جديده . ومن هنا لابد لفحص هذه المسألة من الوقوف على حقيقة ما اذا كان المصلح يعتمد على نفسه ان انه يعتمد على الأخرين ، بمعنى اخر يرى ميكافيللي هل المصلح قادر على إستمالة غيره لينفذ ما وضع من خطط؟ ففي هذه الحالة فأن فوزه سيكون ضعيفاً ، ولن ينجز شيئاً ، ولكن إذا اعتمد على (قوته) و (سطوته) فأنه لن يفشل ، لهذا نجح الانبياء المسلحين ، فيما فشل به غير المسلحين .عليه فأن إستخدام القوة مهم لردع من ارتد عن الإيمان بما ارتد عنه(نفس اسلوب القذافي مع مخالفيه ،وتصفية كل من ارتد عن الايمان بفكره السخيف) ..ميكافيللي يرى بأن اخلاق الشعوب قليلة الثبات على حال واحد ، فأذا امكن إغراءهم برأي جديد سينقلبون على الامير ، لذا فالقوة ضرورية...
( إسقاط موضوع اصلاح سيف المصلح يفرض عليّ نفسه هنا ، فالصعوبات التي تواجهه من قبل ما يعرف بالحرس القديم ، ومن قوى المعارضة لنظام والده المستبد ، اجبرته على إدخال تعديلات لحكم والده كي يقبله الناس بعد ان يرحل والده ، لكي يستتب له الامر ، فالحيلة والخديعة وسيلته ، وهو يفعل ما يفعله لانه ليس امامه ما يفعله لتأمين إمارته المقبلة ، فكان لزاماً عليه أن يؤمن نفسه ضد اعدائه وان يكسب اصدقائه ، وان يضمن ان تكون الغلبة له ، بالقوة ، وبالكذب ، وبالخديعة وهي اساليب اتبعها والده من قبله ، وان يعمل على خلق الفتن والإضطرابات ، كي يضمن السيادة على البلاد، وما نراه من تشكيك في بعض العناصر الوطنية ومحاولة الاساءة اليها الا جزءا من هذا التخطيط . وان يعتمد على اسلحته الخاصة ،وان يجمع الى صفه النخب والاعيان وان يجزل لهم العطاء وان يعينهم بالمناصب الكبيرة ، مثل شيوخ الدين وبعض الكتاب والشعراء المأجورين ممن يطلق عليهم بالنخبة ، عديمي المباديء والوطنية ، الا ان هؤلاء يساعدونه بفتور ، رغم إستفادتهم منه ،لخوف هؤلاء من ابناء الشعب حين يتم كشفهم ، ولعدم إيمانهم بمصلحهم من ناحية اخرى ،ولفشل قدرتهم على إستمالة غيرهم لينفذوا ما وضع سيف القذافي من برامج وخطط ،الامر الذي سيجبر سيف لاحقاً على إستعمال القوة ، لفرض نفسه وقوانينه الجديدة . كما يحاول سيف ان يجعل الشعب يحبه ، وان يستبدل القديم من الاوضاع بالحديث منها، وأن يدعي انه بصدد ايجاد حكومة صالحة بدل الفاسدة للقضاء على اللصوصية والسلب والفوضى ، التي كان نظام والده سبب وجودها اصلاً . وان يظهر للجميع وكأنه كريم الخصال ، مُحب للخير ، واسع المدارك ، مثقف ملم بجميع المعارف ، فنان او رسام ، وانه ينوي إلغاء جميع الانظمة القديمة ، وانه يسعى ليحل محلها نظاماً دستورياً ديمقراطياً جديداً ، الأمير سيف يعلم ان قسوة الامس قد ولدت في نفوس الناس الكراهية له ولابيه ، فسيُعلن عن طريق حواريه وغلمانه وشيوخه ، ان ما حدث بالامس لم يكن بسبب اوامره او اخطائه ، ولكن بسبب اوامر والده او وزرائه الذين انتقلوا الى الدار الاخرة ،اما الباقون على قيد الحياة سيتخلص منهم سيف مثل ورق الحمام ، وسيشطرهم نصفين امام الشعب ، كي يرضى عنه الشعب الذي سيسوءه منظر الدم ولكنه في النهاية سيرضى عن تصرفه . الأميرسيف نراه يسعى ايضاً لبناء علاقات دبلوماسية مع الغرب ، اعداء الامس ، اصدقاء اليوم ، علاقة تسعدهم اذا رضوا عنه، وتغيضهم اذا حاول معاكستهم . سيف يعتقد ان المنافع الجديدة التي يعد بها شعبه ستمحو أثار إساءات نظام والده من نفوس ابناء الشعب الليبي ، وهذا في حد ذاته خطاء جسيم سيكون سبب هلاكه بأذن الله ، لانه يستعمل أساليب الخداع والنذالة ، مستلاً خنجر معمر بالنهاية )..
الوصول الى منصب الأمير بالخديعة وبالجريمة:
هناك طريقتان للوصول الى الإمارة دون الحاجة الى حسن الطالع او الى إستخدام القدرات . وقد يتعجب البعض من ان بعض القادة بالماضي رغم ما اقترفوه من قسوة ، قد إستطاعوا البقاء في بلادهم لفترات طويلة بعد إرتكابهم للعديد من الجرائم الوحشية في حق شعوبهم ، ودون أن يثور عليهم رعاياهم . والسبب في نظر ميكافيللي ، يرجع الى قدرة الأمير على إستعراض القسوة بطريقة مناسبة وإقرانها بالحكمة . (فالقسوة الحكيمة هي التي استعملها القذافي معنا ليحصل على ما حصل عليه ، والتي يحاول الان ان يستبدلها بسرعة بأعمال نافعة للرعية ، في شكل بني تحتية ومشاريع حان امدها منذ مدة طويلة ولكنها لم ترى النور على الورق الا مؤخراً ، املا القذافي ان يفوز برضى الناس عليه وأن ينسوا جرائمه في حقهم ،بعذر الإنتقال من مرحلة الثورة الى الدولة ) فحسن إرتكاب الجريمة القاسية بنوايا شريرة تمكن الأمير من جني الثمار فيما بعد . ففي رأيه ان الأمير الذي يريد أن يستولى على ولاية ما ، يجب ان يخطط لجرائمة مرة واحدة حتى لا يضطر الى العودة الى إرتكابها بوقت أخر، والاساءة المفردة يكون آلمها مفردا فتنسى بسرعة . كما ان الأمير يجب ان تكون له قدرة على إتخاذ تغييرات جديدة ليؤكد للعامة حرصه على مصالحهم !! اما بخصوص المنافع او المزايا الممنوحة للرعية ، فيجب على الحاكم ان يعطيها للرعية جرعة جرعة حتى يتمتعوا بها ويشعروا بفائدتها . وعلى الأمير ان يخطط بالعيش بين الرعية بطريقة لا تعرضه لاي حادث ..
(رغم قسوة القذافي ووحشيته الا انه لازال بالحكم بعدما وصل اليه بالنذالة ، ولا يقلل من قيمة حكمه أنه استخدم وسائل غير ناجحة ، فهذا ليس خطائه ، ولكنه بسبب حظه الشديد ليس الا ، شعبه غير قادر على ان يثور عليه ،واساءته الى اهالي بوسليم وتجريدهم من اية دعم شعبي لمناصرتهم ، يجعل من قضية شهداء ابوسليم قضية مفردة يعتقد القذافي ان اثارها ، ستنسى بسرعة ، الا ان تضامن القوى الوطنية بالخارج مع الاهالي ومناصرتهم ، جعل من القضية قضية حق عام ، وقضية شعبية وليس مفردة لن تنسى اثارها مهما تعاقب الزمن عليها )..
حول الإمارة المدنية :
الإمارة المدنية هي التي يحكم بها الأمير بناءاً على رغبة اقرانه وليس بالجريمة ولا بالعنف ، هذا النوع يقتضي حسن الطالع مضاف اليه المكر ، ويبلغها الأمير بناء على رغبة جموع الشعب او بتأييد الطبقة الغنية ، وان كانتا طبقتين متعارضتين الامر الذي ينتج عنه اما حكم مطلق او فوضى، فالامر يعتمد على من يوالي الأمير اكثر، النبلاء ام الشعب ؟ ولكن نتيجة لميل الأمير الى الطبقة الخاصة الارستقراطية التي تحكم بطريقة تجعل الأمير يعتمد عليهم ، والا فأنهم سيتركونه او ان ينشطوا لمقاومته عندما يعادونه . وفي حالة إبتعاد هؤلاء عن الأمير ، فأن إبتعادهم اذا كان جبناً وخوفاً فلا ضراء . اما اذا كان لسبب معين اخر ، فهذا يعني ان لديهم طموحات ، ومن هنا وجب معاملتهم كأعداء لابد من الإحتراس منهم . والأمير الذي يوالي شعبه يجب ان يحافظ على هذه المحبة كملاذ له حين يهدد بالخطر ..
( استناداً الى رأي ميكافيللي واسقاطه على الواقع الليبي ، يمكننا إعتبار حال مجتمعنا منقسماً الى طبقات ، لتبرز من خلالها طبقة لها مصلحة في كيفية إدارة الامور السياسية ، مع إصرار السلطة على جعل هؤلاءمسؤولون عن أعمالهم ، رغم أن القذافي غير قادر على التخلص منهم ، لانه يعتمد عليهم ، بإستتباب حكمه والا فأنهم سينقلبون عليه ، وهم من اطلق عليهم ميكافيللي لقب النبلاء الذين اصابهم الشجع ، وهؤلاء هم من يخافهم ويخشى القذافي أن ينقلبوا عليه . يقابل هؤلاء المعارضة الليبية بدورها الهزيل ،وعديم الفاعلية ،لإسباب كثيرة لعل اهمها ، انها لا تملك مشروعاً ثقافياً سياسياً تستطيع من خلاله التعامل مع القضايا الموجودة بشكل تستطيع من خلاله ان تقدم برنامجا قادر على التغيير وإستمالة وتعبئة فئات الشعب الى جانبها ، وبالتالي باتت غير قادرة على التعبير عن مصالح واهداف الشعب . وهناك ايضاً شعبنا المسكين والخائف والغير مستوعب لضرورة الحياة بكرامة وبحرية . كل هذه الاسباب جعلت من القذافي وسيف من بعده ، يعتمدان على الطبقة البرجوازية الخاصة المتمثلة ، باللجان الثورية ، والقطط السمان ، وكل من استفاد من هذا الوضع ،وعليه فأن القذافي يحكم الان وسيف سيحكم من بعده بناءاً على رغبة المستفيدين فقط من حكمهما ، بمساعدتهم بالبقاء بالحكم ، الا وهي طبقة اللجان الثورية والامناء واصحاب المصالح المادية فقط ،لان مركزعائلة القذافي ضعيف ، حين بات تحت رحمة اللجان الثورية ،الذين يعتمد عليهم والذين هم بالمقابل بحاجة مستمرة الى نظامه .)
قياس قوة الدولة :
لمعرفة صفات الإمارة ، علينا معرفة ما إذا كان الأمير قادر على حماية نفسه عند الحاجة ، ام انه بحاجة الى حماية غيره له ؟ فالأمير الذي يستطيع حماية نفسه بمفرده ، هو من يجند جيشاً كافياً بسبب وفرة المال . اما الأمير الذي يحتاج لغيره كي يحميه ، فأنه ينسحب داخل المدينة لانه غير قادر على منازلة الاعداء . ضرب ميكافييلي بالمانيا مثلاً ، فهي تتمتع بكامل حريتها ولكنها تطيع امراءها طاعة كاملة ، ليس عن خوف ولكن لأن الأمير يعرف كيفية المحافظة على معنويات شعبه ورضاه ، بتوفير الوظائف الحيوية التي يتربح منها ابناء الشعب . لذا فأن الأمير الذي يحبه شعبه لا يمكن ان يُهاجم . ومن طبيعة الإنسان ان يرتبط بمن يقدم له نعيماً . والأمير الحكيم هو من يحسن إستغلال ذلك.
( قد ينطبق تقدير قياس الدولة بهذه الكيفية التي يراها ميكافيللي ، على الحالة حين كانت الأمور تجري في مجرى الفروسية والبطولة ، وكان يكفي المدينة ان يكون لديها مخزوناً كافياً من الطعام والشراب والوقود لمدة عام .إسقاط قياس قوة الدولة في ليبيا بالوقت الحاضر، لا يعني بالضرورة الدولة الليبية ، فالنظام الليبي قوي بجيشه الذي يحميه ، وبماله المنهوب الذي استلبه من ابناء الشعب الليبي ،ومن ثم فأن التطرق بالحديث عن قوة النظام او قوة الدولة يستلزم معرفة الخطر الذي يمكن أن يشكله هذا النظام او الدولة وعلى من يقع ، الخطر الواقع من النظام لا يقع الا على افراد الشعب الليبي دون سواهم ولا يتعداهم الى غيرهم. فالنظام الليبي بتوظيفه لموارد الدولة الليبية من اجل فرض إرادته وتحقيق اهدافه ومصالحه الخاصة وليس القومية او الوطنية ، وتأثيره بإرادة الدول الاخرى انما تصب في خدمة النظام من اجل ترسيخ بقائه بالحكم . فهذا النظام اثبت انه لا ليس له اي مقدرة على التأثير على السلوك الدولي الا بما يخدم تطلعاته وتطلعات القوى الإستعمارية المستفيدة منه فقط ، وليس تطلعات شعبه . ولقياس قوة الدولة الليبية ، يكفي قياس قدراتها الحيوية للتعليم والصحة ، ومرافق ، وإسكان ، وبنى تحتية ، وجوع ، وفقر، ومعرفة متوسط عمر الانسان الليبي الذي لا يتجاوز 65 ، ومعدل الوفيات ، وكيفية الإستفادة من المياه وتوافرها ، وغيرها من طرق تمكننا من قياس قوة الدولة الليبية ،نجد ان الدولة الليبية ليس بأحد الدول التي يمكن ان يطلق عليها بدولة قوية ، النظام قوي ولكنها ليست الدولة الليبية ، التي لحقها الدمار والتي ابتليت بشرور ليس لها علاج ، حتى بات الشعب الليبي مستعداً للإتحاد مع من سيقدم له النعيم ، وينعم اليه ، هذا إذا ظهر ).
جنود المرتزقة :
لعل أهم دعائم الإمارة هي وجود قوانين جيدة واسلحة جيدة ، ولا توجد قوانين بدون أسلحة . عليه فلا جدوى في نظر ميكافيللي من الحديث عن القوانين ، يقول ،بل دعونا نتكلم عن الاسلحة . الاسلحة إما أن تكون أسلحة خاصة او اسلحة مأجورة وهي بالتالي عديمة الفائدة ، وكل من يعتمد عليها لن يستطيع التأكد من قوة وثبات ولايته ، لانها جبانة عند مواجهة الاعداء ولا تخشى الله ولا تصون عهداً مع الناس وسقوطها مرهون بتأجيل العدوان عليها ، وهم ينهبون بالسلم وبالحرب فهم جنود طالما انه ليس هناك حرب ، ولكن ما ان تقوم الحرب حت يفروا او يرحلوا . فخراب ايطاليا كان على يد هؤلاء المرتزقة . وإن ساعدوا بعض الأمراء على بلوغ السلطة ، فقد ظهروا شجعاناً واقوياء ولكنهم غير ذلك وقت الازمات . والضباط المرتزقة إما انهم ذوي كفاءة او غير كفاءة . فأن كانوا اكفاء لا يمكن الإعتماد عليهم ، لانهم يريدون او يثبتوا انهم عظماء بإبتزاز الأمير ، او بالضغط على غيره لما هو في غير صالح الأمير . اما اذا كانوا غير اكفاء فأنهم يدمرون الامير تماماً .
(جنود المرتزقة قد لا يقصد بهم اولئك الجنود المدججون بالاسلحة الثقيلة والفتاكة ، والذي يجوبون الشوارع مروعين الناس ، وهم الذين يتم إستيرادهم من خارج البلاد . قد يكون جنود المرتزقة هم جنود ( الثروة والنفط) الجنود المدججون بالطمع،والشجع ، تحت ذريعة حب الثورة وفكر القائد القادمين من الدول المجاورة ، والحاصلين على الجنسية الليبية ، ليصبحوا مصدر قلق وطني بما يملكونه من نفوذ ،وثروة ، وحسابات خارجية، وابنية فاخرة ، الغير قادرين على خدمة ابناء الشعب الليبي،شجعان فقط واقوياء بنهش ابناء ليبيا ، من خلال مكاتبهم المدنية والامنية الوثيرة ذات الواجهات المختلفة والمتنوعة ، وماهم في حقيقة الامر ، الا رجال اللجان الثورية والامناء ورجال الامن والمخابرات ، محققين مكاسب مالية ضخمة كانت هدفهم منذ البداية . يتلقى هؤلاء المرتزفة اوامرهم وتعليماتهم من القيادة العامة ، التي تعلم بجميع تحركاتهم وسكناتهم ، وتغض في الوقت نفسه البصر والطرف عن سرقاتهم ، وتجاوزاتهم ، وإبتزازاتهم ، ما داموا يقومون بما يقوم به الجنود المرتزقة ، ضمن الحدود المرسومة لهم بعناية ، حتى بات يطلق عليهم كلاب حراسة الثورة المهووسين بالملايين، الذين انحدروا بليبيا الى غياهب العبودية ونزلوا بها الى الحضيض....)
القوات المختلطة والقوات الوطنية :
عندما يطلب أحدهم من جاره الدفاع عنه قواته فهذه قوات معاونة وهي عديمة النفع ، لأنها لو خسرت المعركة ، فهذا يعني هزيمة الأمير ، اما إذا كسبها فأن الأمير يبقى دوماً اسيراً لها . والأمير المحنك هو من يتجنب القوات المعاونة والمرتزقة ، بأن تكون له قواته الخاصة . فإستخدام اسلحة الأخرين للدفاع عن الأمير غير مجدية ، وقد تعوقه او تشل حركته او ان تشكل عبئاً عليه . والأمير الذي يفشل في أن يلاحظ مشكلات إمارته في مهدها، لا يمكن وصفه الا بأنه غير حكيم ، وكل من يعول على قوات الاخرين( المرتزقة) فهو فاشل ، ولا سلامة لأمير يحتمي بقوات مسلحة غير قواته الوطنية . وقد قال احد الحكماء (لا يوجد ما يزعزع البشر اكثر من ولايات تدعمها الشهرة ولا تدعمها قواتها الوطنية) وهي تلك التي تتكون من المواطنين والرعايا ....
(لا يخفى علينا ان الحروب التي خاضها القذافي بسياسته الخرقاء ، قليلة الحكمة ، فالحكمة كما يعرف توهب فقط للقليلين فقط وهو ليس أحدهم ، مستعيناً بالجيش الوطني الليبي ، ضد جيرانه ، إنما كانت في إطار تحقيق طموحاته ، واحلامه، وهوسه المجنون بتحقيق السيطرة على العالم ، الامر الذي ادى الى الهزيمة المنكرة لقواتنا الوطنية ، والخسائر الفادحة بالعِتاد والاموال والارواح ، وما جرته على البلاد من ويلات ، دفع ثمنها الجنود والضباط الذين ضاعت حياتهم هباءاً منثوراً . كما لا يخفى علينا عدم ثقة القذافي بالجيش الليبي اساساً ، الامر الذي ادى الى تصفية الكثير من الضباط والتخلص منهم ، وإعدامهم داخل ثكناتهم معظم الأحيان . هذا الامر ادى بالقذافي الى الإستعانة بالقوات الخاصة من الدول العربية ، ومن دول اوروبا الشرقية ، لفرض هيمنته على البلاد ، الامر الذي ادى الى أن تصبح قواتنا المسلحة قوات مختلطة . اما ما يعرف بالقوات المختلطة الدولية، فقد فشلت ليبيا في دورها بنشر قوات مختلطة من الإتحاد الافريقي بدارفور مثلاً ، لان هدف الحكومة الليبية ، ليس نشر الامن بأفريقيا ، والعمل على إستبابه كما هو معروف لعمل القوات المختلطة الدولية لحفظ السلام، ولكن دور النظام الليبي كان ميالاً لنشر الفتن والقلاقل ، عليه كان دائماً الفشل حليفاً للقوات المختلطة التي كانت ليبيا جزءا رئيسياً بها . فكثيراً من الأحيان سمعنا بأن ليبيا كانت تعلن ان لها دور الوسيط في نزاع دارفور ، الا ان مساعيها اتسمت بأنها معيقة دوماً وبشكل كبير لعملية السلام التي كان يقودها الاتحاد الافريقي . لعل اعلان ليبيا الإلتزام بوضع قواتها الوطنية على الحدود بين تشاد والسودان لتأمين مراقبة تلك الجهة من اجل السلام لم توضع موضع التنفيذ ابداً ، لتصبح ليبيا دولة لها قوات مختلطة مهمتها (تخليط ) عملية السلام وإفشالها والتأكد من عدم سيرها قدماً بنزع الخلاف والنزاع بين الاطراف المتقاتلة ، وهذا مجرد مثال فقط.. .)

تخنيث الجيش (المُسلح) الليبي نصيحة ميكافيللية
واجبات الأمير تجاه القوات المسلحة :
ينبغي على الأمير ان تكون غايته الحرب ، فهي الفن الوحيد لمن يريد القيادة . والأمراء يفقدون ولايتهم عندما يفكرون في مظاهر الترف ، اكثر من تفكيرهم بالسلاح . واهمال التسلح يؤديء الى ضياع الإمارة . فالإنسان يصبح بلا قيمة عندم يكون غير مسلح . فشتان ما بين رجل أعزل واخر مسلح . ولن نجد رجلاً أعزل يطيع رجلاً مسلحاً ،ولن نرى أعزل سالم بين مسلحين ، ولن يعمل الإثنان بسلام ، لأن أحدهما محتقر والاخر كثير الشك ( وهذا هو حال الشعب الليبي ، شعب غير مسلح في مواجهة القذافي وجنوده من لجان ثورية مدججون بالاسلحة الفتاكة ، ولا سلام بيننا وبينهم والشك وقلة الاحترام حلفائنا، رغم ان مقولة ان الشعب المسلح غير قابل للهزيمة ، فحسب نظرية القذافي فأن الشعب مسلح ومدرب بل وصل به الامر ان أستقطع من رواتب ابناء الشعب ثمن البندقية التي لم يروها ابداً ، فحقيقة الواقع تثبت أن بعض ابناء الشعب قد تم تدريبهم على أسلحة عديمة الفائدة، ولكن القذافي يخشى من أن ينقلب عليه الشعب اذا تم تسليحه، لذا فلم يتم تسليحه ابدا ، واعتقد ان لفظ تسليح قصد به المعنى باللغة الدارجة الا وهو التسليح من الثياب ) من هنا اوصى ميكافيللي الأمير بوجوب التدريب العسكري ، وبأن يشغل الأمير نفسه (بالصيد) فهو سيعّود جسده على المشقة والتعب ، كما يعلمه تضاريس البلاد ، وكيفية إقامة المعسكرات ، وأين يقيمها ، وكيف يضع خطط المعارك وكيف يظفر بالمدن ( ومن هنا كان إهتمام اميركم الجديد او مديركم الجديد ، سيف القذافي ، بأمور الصيد بأفريقيا ، واستراليا ، وبالجزائر ، فاليوم يدرب نفسه على إصطياد الحيوانات وغداً سيقوم بأصطياد شعبه ) كما يرى ميكافيللي ، ان الأمير يجب ان يدرب عقله بقراءة تاريخه ودراسة أعمال الرجال العظماء ، وأن يقلدهم بشدة ، وان يتحلى بصفاتهم .
ما يلام عليه الاُمراء او ما يمدحون لأجله:
يتحدث ميكافيللي هنا عن ما يخص طريقة إختيار الأمير لرعاياه واصحابه ، فمن يريد الخير لا يمكن أن ينعم ابداً به ، إذا كان محاطاً بالأشرار ، عليه فان كان يريد الحفاظ على نفسه ، ان يعرف كيف يكون خيراً غير شريراً ، ومتى يستخدم الشر ومتى لا يستخدمه عند الضرورة ، وهناك خصال تجلب اللوم على الأمير واخرى تكسبه المديح والثناء ، وكل أمير يجب أن يتصف بالسخاء والعطاء والعطف والشجاعة وبأنه مقدام ، ورقيق وصريح وصعب المراس والجاد والمتدين ، فكل هذه الصفات ستجعل الامير ينال ثناء الناس ، ولكن معرفة انه من غير الممكن للامير (سيف مثلاً ) ان يتصف بكل هذه الصفات كلها معاً ، لانه بشر ، لذا كان من الضروري ان يكون ذو حكمة تمكنه من تحاشي اي فضيحة ، بسبب رذيلة من الرذائل والتي قد تفقده ولايته لحكم الامارة .
( سيف يحاول جاهداً اتباع نصائح ميكافيللي على ممارسة رذائله التي لا يمكنه التخلي عنها ،غير انه لا يبالي ايضا بوقوع التشهير به عبر الصحف الاجنبية ،التي تنشر صور مجونه و فضائحه بصحبة خليلاته وصديقاته اليهوديات ،مادامت تشعره بالسعادة ، كما ان المدير الجديد لإدارة ليبيا ، سيف القذافي ، دأب على الظهور بصفة الامير السخي ، المعطا والعطوف والشجاع والمقدام ، الذي يعلن انه يريد السفر على ظهر الباخرة المتوجهة الى غزة لكسر الحصار عنها، والذي اجبر على البقاء بالقوة في ليبيا ومنعه من السفر ، ليظهر بقدرة قادر بسويسرا ، وحرصه ان لا يظهر بمظهر الفاسق كحال بقية اخوته ، الا انه عاد فأرتكب خطأ فادحاً حين أعلن بقرار غير صائب عن نيته بيع الخمور في فنادق ليبيا للاجانب من أجل تنمية الدخل القومي ، الا ان جهود الشيوخ المصلحون والمخلصون المروجون لِحُكمه قد انبروا بالدفاع عن قراره وإيجاد المسوغات الشرعية واللفظية والفقهية لتبرئة ساحته وإخراجه من ورطته ، وتحاشي فضيحة تصريحه ، فشكراً لشيوخ الرحمان لدورهم الرائد الذي سجله لهم التاريخ بالوقوف الى جانب بائع الخمور بعدم التصدي له ، وغض البصر والطرف عن تصريحاته المسيئة للشرع وللقانون ، بأتباع حكمة القرود الثلاث ، التي لا تسمع ولا تنظر وبالتالي لا تنطق ) ..
حول سخاء الأمير وشحه :
من الأفضل للأمير أن يكون سخياً وان لا يتخلى عن كل المظاهر العظيمة بطريقة لا تضره ، وإذا اراد ان لا يفقد رعيته ، عليه ان لا يصبح حقيراً ولا فقيراً ، فعليه أن يهتم بأن يكون سخياً ، وهو أمر ضروري لأمير يعيش على سلب ملكيات الأخرين وعلى الغنائم والفدية ، فهو ينفق من ثروة غيره ، وهذا امر لن يحط من سمعته ، ما دام الإنفاق من ثروة الأخرين . وعلي الامير ايضاً الا يكترث بأن يوصف بالبخل وبالشح تجاه شعبه ، إذا اراد سرقتهم ، فالشح والتقتير أحد الرذائل التي تمكنه من أن يحكمهم .( سخاء القذافي مع الغير لا يحتاج ال تحليل ولا الى تفسير ، وشحه مع ابناء شعبه لا يحتاج الى دليل ، نظرة واحدة على الوضع المزري في ليبيا يعكس مدى شح القذافي وتقتيره بالإنفاق على هذا الوطن ، وهو الذي يعيش على سلب ممتلكات ابناء ليبيا ، وينفق من ثروة المجتمع على نفسه وعلى عائلته ، وكرمه الزائد الذي نسمع عنه مع الغير لدرجة افقده القدرة على بذل المزيد منه ليتحول الى حقير يستغله الغير وبشكل مفضوح ، كما نرى سخاء ابناء القذافي ، ومظاهر الغنى الفاحش المتمثلة بسفرياتهم ، وحفلاتهم ، ويخوتهم وسياراتهم وممتلكاتهم التي يمتلكونها خارج الوطن وهي كلها من اموال الشعب الليبي الذي حُرم منها..)
أمير محبوب ام مُهاب :
يرى ميكافيللي انه على الأمير أن يتصف بالرحمة وأن لا يسيء إستخدامها ، ولكن من الممكن ان يوصف بالشدة ما دامت من أجل الحفاظ على المواطنين وولائهم له . وتنفيذ حكم الإعدام في قلة من الناس لن يؤذي سوى غيرهم . ومن أجل أن لا يظهر الأمير بمظهر الجبان وكي لا يهمل الحذر ، برزت مشكلة المفاضلة بين أن يكون الأمير محبوباً ام مهاباً ؟ الجواب هو أن يجمع الأمير بين الاثنين معاً . وبما أن الجمع بينهما امر صعب ، فأن المهابة افضل بكثير . فإستخدام المهابة والخوف من العقاب طريقة سليمة لا تفشل في التعامل مع المواطنيين . وعلى الأمير ان يجعل نفسه مهاباً مع تجنب الكراهية له . ويتم ذلك بالإمتناع عن التدخل في امور رعاياه ونسائهم . ومن أعدم اي انسان عليه التأكد من المبررات الكافية ويوضح الاسباب الداعية ، وعليه ان لا يستولى على املاك غيره . فمن السهل على الإنسان ان ينسى وفاة والده ، من أن ينسى ضياع ممتلكاته وارثه. فتجنب هذه الامور يجنبه كراهية الرعية له . الشدة واجبة في نظر ميكافيللي مع افراد جيش الامير ايضاً . والناس يحبون بمقتضى إرادتهم ويخافون بمحض إرادة الأمير ، والأمير العاقل هو الذي يعتمد على ما يقع تحت سلطانه لا تحت سلطان الأخرين ..
( هل القذافي محبوب ام ان الشعب يخافه ؟ مجرد النظر الى وجه هذا الشيطان العابس لا يشجع على حبه بل على الخوف منه ،ومن اعينه الجاحظة الكريهة والتي حولت سحنته الى صاحب ملامح غريبة الفعل والشكل . حتى باتت ابتسامته التي قد يفشل في إخفاءها باللحظات النادرة باهتة وبلا معنى . ناهيك عن افعاله التي اتسمت بالقسوة وبعدم الرحمة .الامر الذي نتج عنه الخوف منه ومن بطشه.أما أن يحكمنا القذافي بالجبروت وبالخوف وبالسجون وبالحديد وبالنار والتعذيب وبسيادة لجانه الثورية ، فأنه يكون قد أكتسب وبجدارة حقد الشعب وكراهيته له ولعناته ، ولنا في صدام حسين وموسوليني وهتلر خير مثل ، على نهاية هؤلاء الطغاة وكيف لعنتهم شعوبهم والله والملائكة. اما ابنه سيف المدير الجديد ، متظاهراً بحبه وحرصه على ليبيا وشعبها لذا نراه يحاول جاهداً أن يحظى بحب وإحترام الشعب له ، فهو وصحبه محاولين تهيئة المسرح ، كسباً للوقت وإستعداداً للوثوب باللحظة التي يعلن فيها موت الأب، ليقفز الابن بحكم الجينات والأمر الواقع الى ما يشتهي وينتهي، هناك من يحب ليبيا ويأخذ الثمن ، وهناك من يحبها ويدفع الثمن ، وسيف سيحكم سواء احبه شعبه ام كره واحتقره ..

من يُحِب هذا الثعلب الشارد المُتشرِد ؟
كيف يصون الأمير عهوده؟
الأمراء الذين حققوا أعمالاً عظيمة هم من لم يصونوا العهد الا قليلاً ، وهم من لهم القدرة على التأثير على عقول الناس بالمكر والدهاء .ومن خلال طرق القتال التي تعتمد على قواعد وقوانين وعلى القوة والعنف والشراسة وهذا اسلوب الحيوانات، فأن الأمير يجب أن يعرف كيف يستخدم طرق القتال ذات العنف البشري وذات العنف الحيواني الشرس . فواحدة منها لن تدوم بدون الاخرى. عليه على الأمير ان لا يحفظ عهداً ، يكون الوفاء به ضد مصلحته ، والا يستمر في الوفاء بوعد انتهت صلحيته . وعلى الأمير ايضاً ان يكيف عقله مع أي ريح قد تهب عليه .
( اتسمت عهود القذافي وابنه بعدم المصداقية وبعدم تنفيذها ، كونهما غير ملزمان بالمحافظة عليها ، وكلاهما لم يعدم المبررات المتلونة للتنكر لوعودهما وإيجاد الذريعة المشروعة لتحقيق غايتهما بالتنكر لما يعدان به . الم يعد القذافي منذ قيامه بالإنقلاب المشؤوم بالحرية وبالإستقلال وبالديمقراطية وبالرخاء وبالثروة وبحكم الشعب ! فهل حقق وعوده؟ والان ونحن نرى ونسمع ابنه الذي يحذو حذوه ووعده بدستور البلاد ووعوده للشباب بكل الإغراءات المادية وديمقراطيته المشوهة والقضاء على الفساد وإطلاق سراح المساجين وحمله لواء حماية حقوق الإنسان ، فهل حقق ما وعد به ؟ وكم عدد المرات التي اخل بها بوعوده حتى باتت لا قيمة لها ولِتُظهِرهُ على حقيقته بأنه مجرد كذاب كوالده ؟ الا يبرهن هذا الغلام على انه يقلد الثعلب تقليداً طيباً ، وانه يداهننا وانه عبارة عن مجرد مرأي وضيع ؟ وهل يعتقد ان الشعب الليبي من البساطة والسذاجة لتنطلي عليه حيله واكاذيبه (وبلعطته) وان غير الساذجين من ابناء الشعب الليبي ، هم في نظره قلة منعزلة او تم عزلها وبالتالي لا تشكل اي خطر عليه؟ اساليب ميكافيللي ونصائحه هذه قد تكون ذات فعالية بالازمان الغابرة حين لم يكن توجد وسائل التقنية التي تسهل توعية الشعوب وتثقيفها والتي تساعد على كشف امثال سيف القذافي ووالده ، وليس هذا العصر الذي نستطيع فيه كشف حقيقة هذا الماكر وكشف خبثه ودناءته ) ..
كيف يتجنب الأمير إحتقار وكراهية الناس له؟
يكون الأمير محتقراً عندما يتصف بأنه متقلب وطائش ، ومخنث ، وجبان وشجعاً، وهذه صفات يجب ان يتجنبها الأمير وعليه ان يظهر اعماله بصورة تعكس العظمة والقدرة والمجد . فالأمير الذي يخلق هذا الإنطباع عن نفسه عند الناس يحظى بسمعة عظيمة ، وبذلك يتحقق رضى الشعب عنه . ولكن إذا كرهه شعبه وعاداه ، فعليه ان يخاف من كل فرد وان يخشى كل شيء، بل وعليه ان يقترف بعض الشرور، وأسباب سقوط الكثير من الأباطرة كانت إما الكراهية ، أو الإحتقار .( وهذا ما اراه قادم لا محالة عندما يفشل سيف القذافي، بالحصول على حب الشعب وإحترامهم له لأنه متقلب وطائش وجبان وشجع ، و لإستمرار نفس الظروف التي تحيل بين المواطن وبين الحصول على حاجاته المتنوعة والتي حرم منها والتي سيقف سيف بينها وبين تحقيقها وتوفيرها لابناء الشعب ، ونتيجة لنقضه فيما يعد به من عهود ووعود ومبشرات ،ضمنها رؤاه الأستراتيجية التي يعلن عنها بدون صفة شرعية ، من أجل خوض الصراع السياسي ، وتذليل ما قد يواجهه من صعاب وعقبات ، حتى اصبح مضللاً ومخادعاً ، مقلداً اساليب الثعلب والأسد ، الامر الذي الذي سيطور كراهية الناس له ، لتصل الى درجة الحقد عليه وعلى تظامه، والذي سيدفعهم لممارسة العنف ضده ، متى ما انكشفت حقيقته ..)
هل القلاع مُفيدة ام ضارة ؟
كان من الضروري لبعض الأمراء نزع السلاح من مواطنيهم (وهذا ما فعله القذافي) ، من أجل ضمان سلامة حكمهم . فمنهم من شيد الحصون وأحتمى بها. وتسليح الرعايا يعني تسليح الأمير . وهذا الأمير سيتحول من مجرد احد الرعايا الى احد المخلصين او الانصار . ولكن تسليح جميع الرعية امر صعب . لذا فأن تسليح البعض دون الاخر تجعل معاملة البعض تختلف ، ومن ثم يكون الأمير اكثر ولاء للبعض دون الاخر . وحتى من سلحهم الأمير يجب ان يجعل منهم ضعفاء ومخنثين وأن يجعل السلاح بيد المقربين منه فقط( لجان القذافي الثورية وحرسه الخاص) . والأمير يصبح عظيماً حيت يتغلب على ما يواجهه من معارضة (هل نستطيع قول أن القذفي بات عظيماً؟) . فعليه ان يثير العداء ين الرعية بدهاء حين تسنح الفرصة ، وأن يحاول إكتساب صداقة الذين كانوا غير راضيين عنه بالنظام القديم ، وهذا اسهل كثيراً من صداقة من ساعدوا الامير منذ البداية( من هنا نرى إزدياد العداء بين معارضينا، وإزدياد النعرات القبلية والجهوية التي لا تخدم سوى خطط القذافي ، ومحاولة النظام إستقطاب المعارضين له بالخارج ) . ولكي يخشى الامير شعبه ،عليه ان يقيم القلاع ( باب العزيزية حصن وقلعة يختبيء وراء اسوارها القذافي وعائلته) . يقول ميكافيللي : ولكن تبقى حقيقة انه مهما شيد الأمير من قلاع وحصون فهي لن تحميه من شعب يكرهه حين ثور عليه .
ماذا يفعل الأمير كي ينال الشهرة؟
لا شيء يشهر الأمير سوى أعماله العظيمة مثل الحملات العسكرية،وإستخدام الدين للقضاء على القوات المعارضة ، وإصطناع المشاكل الكبيرة ليلهى عنه الرعية ، وجعلهم مشغولين بصفة دائمة بإبتداع المشاريع العظيمة والغير مألوفة ، ليشغل عقول الرعية بالتطلع الى النتائج الغير مالوفة ، ولكي لا يخطر ببال الرعية تجديد الاوضاع السياسية ،ولا تُعطى لهم قرصة للأستقرار للعمل ضده. والأعمال العظيمة لا تقتصر على خارج حدود الدولة بل بالامور الداخلية ايضاً وإعلان حبه وتأييده او عداوته لفرد ما . وعلى الأمير ان يكرم الموهوبين ويميز القادرين ويحمي البارزين في كل حين . وعليه ان يحث مواطنيه على العمل والإبداع وان يلهيهم بالمهرجانات والمعارض ..
( إسقاط هذه النقطة على نظام القذافي لا تحتاج لكثير عناء ، ففي كلمات بسيطة نستطيع قول ان القذافي عمد الى إتباع هذه النصيحة بأشغال عقول شعبنا بمشاريعة الغير مألوفة والغريبة وجعلهم دوماً مشغولين بالتطلع الى نوادره وما يترتب عليها من نتائج . فكانت اعماله المتعاقبة حتى ليكاد الواحد من مشاريعه يخرج خائباً ، ليتلو اخر دون توقف ، الامر الذي لم يترك مجالاً لأي فرد ليحس بالإستقرار او ليجد الوقت ليبدأ اي عمل مضاد له ، واحسن مثل هو قصة شوال الفئران التي ضرب بها القذافي مثلا على حال الشعب الليبي ، يرجها القذافي بين الفينة والأخرى لكي تدوخ ، و هكذا حال الشعب الليبي ، ما بين المؤتمرات الشعبية ،وقرار تقسيم الثروة ، والتسليح والتدريب العسكري، والحرب مع الجيران ، وقرارات طرد العمالة ، وقضايا الأيدز ولوكربي ، وتسليم الاسلحة النووية ، ومشاكل اولاده وضربهم لزوجاتهم بعواصم العالم ، وظهور صورهم وتبذيرهم بالصحف وبالمجلات ، ومشروع النهر الصناعي الا خطط وضعها ، ليلهي بها الشعب الليبي فلا يحس بالإستقرار . بالإضافة لحرص النظام دوماً على شغل الناس بالأعياد الوطنية ، والمهرجانات ، وبحفلات التكريم للمخلصين للثورة . وما جوائز القذافي المختلفة لتكريم الكتاب والفنانين والبنداره والشعراء ، والحجالين والحجالات ، وتخوين الوطنيين وكتابة المقالات المسيئة للدين ، والمقالات المثيرة للنعرات الوطنية والجهويه والمخونة لجهود الوطنيون المخلصون ،الا نوع من إلهاء الرعية عنه ، ولصرف اذهان الشباب بالتفكير في قضايا بلادهم ، وعن ما يقوم به القذافي ونظامه من سرقات وتجاوزات وإساءات للوطن وشعبه ،خوفاً من ان يتحرك الشعب لخلعه ، او ان يعلن الشعب انه بدأ يعاف حياة الذل والهوان وملِ الحياة بجنب عصا اللجان ..)
أُمناء الأمير :
إختيار الأمير للأمناء امر مهم ، فمنهم الصالحون وغير الصالحون ، واختيارهم يتوقف على حنكة الأمير وتقييم الأمير وعقله، باختياره لمن يحيط به من الرجال . هؤلاء الرجال قد يمتازوا بأنهم يفهمون الامور دون حاجة للمساعدة واخرون يفهمون الأمور بعد توضيحها لهم . والنوع الثالث غبي لا يفهمهما بنفسه ولا عند شرحها لهم ، وهؤلاء عديمي المنفعة ( مثل احمد البهيم). وهنالك طريقتان لمعرفة الامين او الوزير من قبل الأمير . الا وهما طريقة تفكير الوزير ان كان يبحث عن مصلحته الشخصية ، فأنه غير صالح ، اما اذا كان يبحث عن مصلحة قائده او اميره فأنه وفي وأمين .
( وما تعرف أحد على امناء ووزراء القائد معمر القذافي ، الا واعتبره رجلاً غبياً ، لانه احاط نفسه بأغبياء امثال معتوق والطلحي والتريكي والبهيم احمد ابراهيم والزايدي وغيرهم من طحالب احسنوا فهم نفسية قائدهم وما يبحث عنه من تبجيل وتعظيم ومن حفاظ على كرسيه ومصلحته ، لذا احسنوا خداعه وتظاهروا بالصلاح والامانة حتى بات يطلق عليهم الامناء . لتظهر حقيقتهم بأنهم ما كانوا الا باحثين عن مصالحهم الشخصية وتنمية حساباتم (البنوكية)، ولا يفكرون ابعد من ارنبة انوفهم وكروشهم المنتفخة بالمال الحرام . لذا صانوا عهد قائدهم فقربهم اليه وازجل لهم العطاء واغدق عليهم من أموال الشعب الليبي ، وارفع منزلتهم واسند عليهم المسؤوليات الجسام الغير اهل لها . وهم بدورهم ساند بعضهم البعض وحافظوا على مناصبهم التي باتوا يتبادلونها بنفس الوجوه ويغيرونها كما يغيرون ملابسهم .)
كيفية تجنب المتملقين :
موضوع المنافقين والمداهنين الذين يغص بهم بلاط الأمراء موضوع مهم ولا يممكن تجنبه .فلا يمكن تجنب طاعون التملق الا بصعوبة بالغة . والأمير يستطيع ان يقي نفسه شر هؤلاء بأن يدعهم يدركون أنه محب فقط للحقيقة ، وانهم غير قادرين على الإساءة للأمير اذا ما جابهوه بالحقيقة، ولكن اذا ما جابهوا الأمير بالحقيقة فأنه يفقد إحترامهم له ، لذلك فهناك طريقة ثالثة ، الا وهي أن يختار من ينصحه من الحكماء، إذا سألهم فقط ، وإذا سأل عليه ان يستمع ثم له ان يتناول الامر بطريقته الخاصة وان لا يبوح بقراراته كي لا يعرف اي احد ما يريد فعله ولا ما ينويه ولا ما يقصده ..اما الأمير الذي يتهور ويستمع الى اراء المنافقين والمداهنين والمتملقين فأنه يتعرض لتغيير قراراته تبعاً لتعدد الاراء التي حوله من قبل هؤلاء وهو بالتالي يفقد الإحترام والتقدير، ومُخطيء من يظن أن الأمير الحكيم حكيم بسبب طبيعته الشخصية فقط ن لكن ذلك يرجع أيضاً للمستشارين المُحيطين به. على ألأمير دوماً تعود النصائح الحكيمة لأي ناصح كان الى حكمة الأمير ....
( القذافي عرف عنه انه لا يقبل النصيحة ولا المشورة وانه مستبد ومتسلط بقراراته ولا يقوم بتشجيع محاولات تبذل لإسداء النصيحة له ، وهو نادراً ما يطلبها . وعٌرِف عن غضبه ، ان سببه لا يرجع الى حجب الحقائق عنه ولكن لمواجهته بها . كما عرف عليه انه لا يُحسِن الإصغاء ، بل يتعمد النظر الى السقف او الى الهواء بشكل ينم عن التكبر والخيلاء والترفع عن سماع الأخرين . ومن هنا كانت قراراته بعيدة كل البعد عن الحكمة والتبصر في جميع مناحي الحياة دوماً . )..
لماذا اضاع بعض الأمراء ولايتهم ؟
الناس بطبيعتها تحب متابعة أعمال الأمير الجديد . وحين تكون أعماله فاضلة ، يرتبط به الناس ارتباطاً وثيقاً ، خصوصاً عندما تكون حالتهم الراهنة جيدة ، فأنهم لن يبحثون عن غيرها ، وبذلك سوف يبذلون جهداً للدفاع عنه . الإتصاف بغير الحكمة ومعاداة الشعب له ونقص الاسلحة اسباب تؤدي بالإمارة للهلاك . فطرق الدفاع الاكيدة والدائمة هي تلك التي تعتمد على الأمير وحده وعلى قدراته . ومجد الأمير لن يُرسي عهداً جديداً الا بالقوانين الصالحة ، والأسلحة الجيدة ،والأصدقاء الصالحين ، والقدوة الصالحة . يتضاعف عار الأمير ويفقد عرشه حين يفتقد للحكمة، وحين يهمل أن يعمل حِساباً للإضطرابات التي قد تحدث .
اثر الحظ في العلاقات البشرية :
للحظ دور كبير في حياة البعض ، بل الحظ يتحكم في احداث العالم الكثيرة من حولنا .والبشر بدورهم غير قادرين على تغييره ، فالصدفة هي من يتحكم بتسيير الامور .ميكافيللي يرى بأن الحظ يتحكم في نصف أعمال البشر . فالحظ كالنهر الهائج سريع التيار ، مدمر للبنيان ومخرب للطبيعة ولكن مع هذا فأن الناس قادرين على مواجهته والتعامل معه . وقد يحدث ان المرء قد يرى اميراً يحكم اليوم ثم يُحطم غداً . فالامر لايعود الى القدر فقط . فاذا كانت الظروف والعصر ملائمة لمن يعمل بحذر فأنه سينجح ، ولكن اذا تغير الزمن وساءت الظروف فأنه سيفشل . والخلاصة في نظر ميكافيللي ان تغير الحظ وبقي البشر على طريقتهم الثابتة فأنهم يحققون نجاحاً ، طالما تلائمت الطرق مع الظروف المحيطة بهم ، ولكن حين تتعارض الطرق مع الظروف فأنهم يفشلون . والاقدام افضل من الحذر. والحظ كالمرأة لن تفر بها الا بالقوة ، وهو ايضاً كالمرأة يصادق الشباب دوماً لانهم اكثر عنفاً واقل حذراً ، ولذلك فهم يسيطرون عليه بجرأة تفوق جرأة الأخرين .
الخاتِمة :
من منا ينكر أن الأوضاع التي تمر بها ليبيا ، تكاد تحمل نفس البصمات التي يصفها ميكافيللي في كتابه الأمير . سواء من ناحية إستباحة الوطن ونهب ثرواته من قبل اللجان الثورية والشركات الأجنبية ، وإنتهاك حقوق ابنائه ، وإفتقار القذافي للحس الوطني والقومي ، وخضوعه لصواري العالم الخارجي ، ولحسن توظيفه لمبدأ ان الغاية تبرر الوسيلة؟ وهل بعد أن ننهي قراءة هذا الكتاب سنصبح قادرين على أن نستوعب درس الحكمة الميكافيللية ، ونستلهم عظة هذا الرجل وحكمته ، بعد أن أستخف بقدرات شعبنا القاصي والداني ، واشمأز من تخاذلنا ومن مواقفنا الصديق والعدو؟ سبب تناولي هذا الكتاب هو محاولة ظهور سيف ابن القذافي بالوقت الحاضر والذي يظن انه توقيت ملائم لتثبيت فكرة توريثه كأمير البلاد بأذهانِنا، او تنصيب نفسه مديراً للبلاد ، بعد رحيل والده. شخصياً ارى ان الأحوال تصب في مصلحته مستفيداً منها هذا الابن الذي سيكون صورة مجسمة لوالده ليحكمنا مدة طويلة ايضاً ، ما دمنا لن نحرك ساكناً . وصل الامر بأبناء شعبنا الى احط من عبودية بني اسرائيل لفرعون . بُطِش بنا ، وفرق شملنا طوائف، واصبحت بلادنا محكومة ، منهوبة ، مهزومة ، ممزقة ، مغلوب على امرها . اليوم ليبيا تتضرع الى الله كي يرسل اليها من يخلصها من قسوة القذاذفة البرابرة وإهاناتهم بالقريب العاجل ، ولكن هنالك دوماً بارقة أمل بأن يظهر من ينقذ البلاد ، وهو الذي من سيقوم بتضميد جراحها النازفة. ليبيا باتت اليوم مستعدة لأن تعمل تحت لواء تحرير ، يرفعه رجال وطنيون نظاف ، ولا امل لها الا ينتزع هؤلاء الرجال هذا التحرير إنتزاعاً ، متى آمنوا بأن القضية هي قضية تخليص الوطن من براثن هذه العائلة الفاسدة وان القضية ، قضية عادلة .وانا اعجز ان اعبر عن الحب والدعم الذي سيقابله من يحرر البلاد التي ذاقت الامرين على يد المُستبِد والطاغية القذافي ونظامه الفاسد ، كما اعجز عن شرح وبيان ولاء المتعطشين للثأر وما سيلاقيه المحررون من تأييد ومن شكر وعرفان بالجميل . فاي باب يمكن ان يغلق في وجوههم ، او ان يرفض ان يطيعهم الناس . وحتى ينهض ابناء وطني الشرفاء ، و يتم تحت رايتهم تحرير الوطن أستودعكم محبة الله وحِفظِهِ ، و دُمتُم بأمانِهِ ،و بخيرهِ وبسلامتهِ .
وطني 100
|