قِتال الفتنة  
العودة إلى المقالات

قِتال الفتنة

بسم الله الرحمن الرحيم

" رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ "

بقلم: محمد نور الدين

الفتنة في اللغة تعني الاختبار والامتحان، وتأتي بمعنى الضلال عن الحق كما في مختار الصحاح، ولايهمنا هنا المعنى اللغوي، لأن ما يهمنـــا هو المعنى الاصطلاحي، أو الشرعي لكلمة " الفتنة" إذا كانت مقرونة بالقتال.

جاء في الحديث النبوي الشريف فيما يرويه ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تكون فتن، النائم فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها خيـــر من المْجـــري، قتـــلاها كلها في النار، قلت يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال : ذلك أيام الهرج، قلت : ومتى أيام الهرج؟ قال : حين لا يأمن الرجل جليسه! قلت : فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال : كف يدك، ولسانك، وادخل دارك".

فالفتنة هنا قتال أثم بين الناس على تعدد فئاتهم " قتلاها كلها في النار" وخير الناس مــن لم يشارك فيها. ومما ورد في وصف "الفتنة" عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : "ستكون فتن غلاظ شداد، خير الناس فيها مسلموا أهــــل البـــوادي، الذيــــن لا يتندون ( أي يتبللون) من دماء الناس، ولا أموالهم". فالفتن فيها نهب للأموال، سفك للدماء. ومما ورد أيضا في وصف الفتنة قوله عليه السلام : " سيكون بعدي أربع فتن، الأولى : يستحل فيهــا الــــدم، والثانيــــة : يستحل فيها الدم، والثالثة : يستحل فيها الدم والمال والفرج".

ومما ورد في وصف التغيير، والتناكر الذي يصيب الناس في الفتنة، قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل لم يحل في الفتنة شيئا حرمه قبل ذلك، مابال أحدكم يأتي أخاه، فيسلم عليه، ثم يجي بعد ذلك فيقتله".

فالفتنة هنا : تبدل في المواقف، وتطور في العلاقات، يحل القتال محل السلام، ويصبح فيها صديق الأمس عدو اليوم، تنتهك حرمته، ويستباح دمه.

وبين رسول الإسلام عليه السلام أسباب تلك الفتن فيقول : " إن بين يدي الساعـــة، فتنا كقطع الدخان يموت فيها قلب الرجل، كما يموت بدنه، يصبح مؤمنا ويمســي كافـــرا، ويمســــــــي مؤمنـــا ويصبح كافرا، يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا".

فالفتنة هنا تجعل كثيرا من الناس يهون عِندهم مالهم مــــن ماضي مشــــرف فــي رحاب الدين، ومجالات الخير، فلا يبالون أن يضحو به على مذابح المنافع الدنيوية، حين تضل الأحلام، وتعبث بالعقول المطامع والشهوات، والمنافع الدنيوية عند السادة الكبار هي : السلطة و النفوذ.

وعند الأتباع الصغار هي الثمن المدفوع نظير ما يبذلونه في سبيل التمكين لسادتهم من إرهاب وقتل وتدمير!

ومن هذه النصوص يتجلى لنا معنى قتال الفتنة، وهو : " القتال غير المشروع بين الطائفتين أو أكثر من المسلمين". وهذا القتال غير المشروع، الذي يسمى قتال الفتنة، ينطبق على حالات من القتال ذكرها العلماء وهي:

1. حالة عدم ظهور المحق من المبطل في القتال، وهنا يكون "قتال الفتنة" هو في حق من يشترك في هذا الصراع المسلح، عن هوى أو عصبية أو جهل أو لأي غرض آخر وهو لا يَعرف من المحق من المبطل، أما الأطراف الأصلية المتنازعة فإما أن تكون طائفة عادلة أو ظالمة على حسب الدافع الذي دفعها لحمل السلاح. وقد تكون الأطراف المتنازعة على جهل بالأسباب التي حملتها على الاقتتال. فقتالها في هذه الحالة قتال فتنة، يجب عليها الامتناع عنه وقد جاء في الحديث الشريف " لاتذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لايدري القاتل فيم قتل؟ ولا المقتول فيما قتل؟ فقيل : كيف يكون ذلك؟ قال : الهرج، القاتل والمقتول في النار".

2. حالة أن تكون كلتا الطائفتان المتصارعتان ظالمتان ولا تأويل لواحدة منهما. وقد حث الإسلام المؤمنين الصالحين بأن يسعوا إلى الصلح بين المتقاتلين ويطفئوا النار التي اشتعلت بينهم وذلك كما ورد في القرأن الكريم " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا " وإذا لم يحصل وهدأت الفتنة وتوقف القتال وكانت إحدى الطائفتين على حق والأخرى هي الباغية وجب نصرة الفئة من أهل العدل والقتال في صفها كما قال الله تعالى " فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ".

ولقد أمر بالابتعاد عن معترك القتال، والاختفاء عن الأنظار مهما أمكن، كأن يلزم الإنسان بيته ويخمل ذكره، فلا يسمع له صوت ولا يذكر له رأي، إذ أكثر ما يذكي نيران الفتنة ويطيل عمرها حرص أصحاب الأسماء الكبيرة على أن يكون لهم في القتال الدائر صوت مسمـــــــوع ولــــذا فقد جــــاء فــــي بعــــض الأحاديــــث بصــــدد
الابتعاد عن الفتنة : " ادخلوا بيوتكم واخملوا ذكركم..."، ومن أساليب التأكيد على ترك القتال في الفتنة، الأمر بالانصراف إلى الأشغال الخاصة، فقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم : " فإذا أنزلت ـ أي ـ الفتنة فمن كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه".

ومن أساليب التأكيد على اعتزال القتال في الفتنة، إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن القاتل والمقتول في النار، فقد قال رســــــول الله عليـــه الصـــلاة والســـلام " إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار" والصراع على الدنيا هو صراع بين فئتين باغيتين ظالمتين. ومن الأساليب التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم للتأكيد على اعتزال القتال في الفتنة الأمر بإتلاف السلاح، مبالغة في الحث على تجنب القتال، حتى لايكون وجود السلاح مثار إغراء باستعماله في هذا القتال الأثيم " إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا فاعمد بسيفك على أعظم صخرة في الحرّة، فاضربه بها حتى يتكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية".


Posted on Monday, August 09, 2010

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.