التعليم فى ليبيا بين التدميروالتزوير  
العودة إلى المقالات

التعليم فى ليبيا بين التدميروالتزوير

 بقلم : عبدالمنصف البورى

 
    
 
 عندما يعم الفساد والفوضى والتسيب والتدمير المتعمد لأركان الدولة، فأن الامر لايقف عند حد معين بل لابد وأن يمس جميع قطاعاتها ومختلف مستوياتها، والتعليم  كغيره في ليبيا يمر منذ انقلاب سبتمبر وحتى اليوم بأزمة فعلية، وهي أزمة متعددة الوجوه والجوانب، وتنذر بانهيارات قد لا يدرك الكثيرون مداها وخطر انعكاساتها على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وعلى مستقبل الواقع العلمي  فيها،واذا نظرنا الى العملية التعليمية العلمية انطلاقا من اساسها فسوف نجد أن ماجرى ولازال يجرى على أرض الواقع هو عملية تدمير وتزوير، إن لم يكن حالات انهيار فى التعليم برمته.
 
فالمراقب لواقع التعليم  بمختلف مستوياته والتعليم الجامعي “العالي” بصفة خاصة في ليبيا، لابد وأن يلاحظ بدون أى مشقة الحال البائس أو أى عناء يذكرالوضع المتردى الذي وصل اليه. فالبيئة التعليمية كما تبدو بعد كل هذه السنوات  التى مرت وكأنها بيئة فاشلة وغير مؤهلة وليست علمية. وصحيح أن الجامعات الليبية فى السابق قبل الانقلاب وبعده بسنوات قليلة فقط  قد رفدت المجتمع بالاطباء والمهندسين والمدرسين والمحامين فيما يشكل قوام الدولة والمجتمع، الا أن ذلك لم يستمر طويلا عندما تدخلت السلطة لتفرض معاييرها الديموغوجية ومقاييسها الإيديولوجية التافهة، التى اغلقت الابواب امام العملية التعليمية بمعاييرها الموضوعية والحيادية، فضلاعن سد النوافد لتعدد وجهات النظر واختلاف الاراء والاجتهادات، واستبدلتها بالاهواء السياسية والدعائية التى تمجد الحاكم وتريد ان تصل به الى درجة  التقديس .
 
لقد فقدت العملية التعليمية برمتها وعلى وجه الخصوص فى الجامعات الليبية العلاقة التكاملية بين نظم التعليم والانظمة الاجتماعية المتحولة، واصبحت الجامعات مصدر تفريخ للعاطلين من اشباه الاميين، بعد أن كان همها الأول والرئيسى فى السابق هو التدريس النوعى وتخريج الكفاءات والتي ماعادت في العقدين أو الثلاثة الاخيرة تنطبق عليها صفة الكفاءات بدرجة كافية، ويكفى القاء نظرة بسيطة على ترتيب مكانة الجامعات الليبية فى وسط جامعات العالم المعترف بها وذات الاهمية العلمية فلا تجد لها مكانا يذكر.    
فى ليبيا أصبحت الفوضى والعشوائية وانعدام الكفاءات،السمة المميزة لحالة التعليم بصفة عامة، وتبدو مظاهر هذه العشوائية في عدة صور منها :
1. انعدام الترابط بين المراحل الدراسية المختلفة .
2. طغيان التنشئة الدعائية للسلطة على العملية التعليمية .
3. فقدان المناهج التعليمية  واستمرار العملية التلقينية .
4. ضعف مستويات القائمين على العمل التعليمى وغياب أى نوع من أنواع الرقابة والمتابعة والتقييم.
5. ضعف الادارة فى جميع قطاعات التعليم كالمدارس والمعاهد والجامعات التى وصلت فيها درجة التسيب والإخلال بالنظم والقواعد التعليمية حدا كبيرا.
6 . تدهور الأوضاع المعيشية للمدرسين والمدرسات بصورة دفعت الى تهلهل الاداء التعليمى للغالبية منهم .
7. تهلهل حالة المبانى التعليمية للمدارس والمعاهد والجامعات بصورة يرثى لها بالاضافة الى غياب المعامل والاجهزة العلمية والمختبرات والمكتبات والكتب والدوريات.
8. انتشار الوساطة والمحسوبية والمحاباة على حساب العملية التعليمية .
 فى الجامعات الليبية كانت المأساة أعمق واشدفقد اصبحت الجامعات ليست فاقدة للقيمة العلمية فحسب، بل أنها تحولتالى مجرد"باب للرزق "يلجأ اليها كل من هب ودب،للحصول على شهادةتؤهله للحصول على عملبغض النظر عن ما يمكن ان يقدمه هذا الخريج من خدمة مفيدة للوطن، وهذا التفكير أضر بالعملية التعليمية وجعلها غير قادرة على المشاركة والمساهمة فى خدمة المجتمع ويمكن ملاحظة هذا الامر من خلال سياسات القبول الكمى وانعدام ربط التعليم الجامعى بسوق العمل وكانت من نتيجته بطالة كبيرة .
أما علىمستوى أعضاء هيئة التدريس، فقد كانت عملية الجودة في عضو هيئة التدريس مترابطة ومتكاملة،بمعنى أنها تبدأ من مرحلة قبوله عضو هيئة تدريس في الجامعة، وتنتهي بتقييم عطائه،ومدى قدرته على التطوير.
حيث يتم في المرحلةالأولى انتقاء أعضاء هيئة التدريس وفق معايير تحددها الجامعة، حسب حاجة الكلياتوالأقسام، والتخصصات المطلوبة. وتتم مراعاة الجامعة التي تخرج منها، ومعدلاته فى مراحل الدراسة المختلفة، وسنوات الخبرة، والابحاث المنشورة، الى غير ذلك من الأمور التى يستحق من خلالها العمل فى الجامعة ، وبعد التحاقه بالعمل تتم عملية التقييم من حيث :
1 - الأداء الأكاديمي.
2
- خدمةالمؤسسةالجامعية والانتماء لها.

3
- النشاط العلمي.
4
- المشاركة في المؤتمراتوالندوات.
5- قدرته على العمل ضمن فريق مشترك.
6
- الالتزام بأخلاقياتالمهنة
.
وتتم مراجعة أداء أعضاء هيئة التدريس في كل عام أكاديمي، وتخضع هذهالمراجعة لاعتبارات مختلفة منها ، تطوير الخطط التدريسية، بتطوير أساليب وطرقالتدريس، المشاركة العلمية، مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية، وتعاونه معمتطلبات العمل والمستجدات العلمية .
 
اما فى العقود الثلاثة الماضية وحتى الان فقد اصبحت عقدة شهادة الدكتوراه "المزورة" واحدة من اهم عقد المتسلقين والانتهازيين والوصوليين من عناصر السلطة واتباعها، وانعكاسا لواقع متردى فرضته السلطة القائمة فى الجامعات الليبية وعلى المجتمع الليبي ككل، ويبدو أن هذه النزعة بضرورة الحصول على "الدكتوراة " قد انطلقت من ادراك "هولاء" لقيمة اللقب وليس لقيمة واهمية العلم ليكونوا فى الواجهة السياسية، وهم فى الحقيقة اما أنهم فاشلون فى حياتهم العامة والدراسية لاسباب عديدة منها، نقص الذكاء والشك فى امكانتهم العلمية، وعدم قدرتهم على الاستيعاب العلمى، وانشغالهم بكل أشكال التهريج السياسى للسلطة والبحث عن وسائل من اجل البقاء والمحافظة على مصالحهم الذاتية وجنى اكبر قدر من المكاسب الشخصية ومن هنا انتشرت ظاهرة شهادات الدكتوارة المزورة .
 
أن سعى البعض للحصول على شهادات مزورة تعنى أن "هؤلاء" يحاولون التأقلم مع متطلبات اجتماعية، لايستطيعون تحقيقها بجهدهم الطبيعى وتحصيلهم وقدراتهم الشخصية، وصولا الى الحصول على وضع اجتماعى ومادى يتوازى مع تلك الشهادة العلمية، فيلجاؤن الى التزوير.
 
لقد اصبحت ظاهرة تزوير شهادات الدكتوراة فى عهد القذافى مسألة عادية فى ظل الفوضى والتسيب ومقولة الولاء قبل الكفاءة، واصبحت هذه الظاهرة تنافس ظاهرة تهريب المخدرات فى ليبيا، فعناصر واتباع السلطة متورطين فيها بدرجة كبيرة، وتعددت وسائل وطرق التزويرحتى اصبح بامكان البعض أن يغيب بضعة اشهر ليعود حاملا "لشهادة عليا" والبعض الاخر كان يتردد من حين الى اخر على هذه البلاد أو تلك ليقابل الوسيط ويدفع الثمن ويحصل على "شهادة الدكتوراة ".، انه شئ مخجل أن تصل الامور فى ليبيا الى هذا الحد والمستوى الذى لاشك أنه ينذر بكارثة أخلاقية وعلمية واجتماعية .
 
ومما زاد الطين بلة مايسمى بمنح الشهادات الفخرية الى الدرجة التى تعد دليلا قاطعا على فساد ذمم بعض القائمين على الجامعات الاجنبية والعربية، خاصة تلك التى تريد الحصول هبات مالية أو يسعى بعض مسؤوليها للحصول على مكاسب معينة، فماذا يعنى منح شهادات فخرية لهذا الدكتاتور أو ذاك أو ابنه أو ابنته ؟ وماهو الفرق بينها وبين بيع الشهادات المزورة؟  من الناحية الحقيقة الفرق بسيط ولكن اوجه التشابه تتقارب أو تتماثل فى المحصلة النهائية فالنتيجة أن المستفيد فى الحالتين هو من يعطى الشهادة فقط فهو يبحث عن مردود وعائد وثمن لتلك الشهادة الفخرية سواء كان مردود اعلامى أو مادى أو مكاسب شخصية
 الاشكالية فى ليبيا أن السلطة القائمة هى التى تحمى اصحاب شهادات الدكتوارة والشهادات الجامعية المزورة  وتسكت عنهم وتجعل الامرجزء من ممارساتها السياسية الداخلية التى ينبغى الحفاظ على اسرارها من "اعداء الثورة" تجنبا لانحطاط سمعتها. 

وفى النهاية أن من لايملك تقدير القيم والاخلاق العلمية والمجتمعية فلن يضيره أن يخدع شعبه أو غيره من الشعوب بأن يعد نفسه صاحب "الشهادة " التى تمكنه من أن يصبح مؤثراً فى مجتمعه ولو بالتزوير، ولن يحمى منتحلى الألقاب العلمية المزورة من أحتقار المجتمع لهم بمختلف شرائحه، ويبقى مابنى على باطل فهو باطل لان التاثير الذى يأتى من اصحاب الشهادات المزورة هو استمرار لقيم التزوير وقد يبدأ بتزوير شهادة ولكنه ينتهى بتزوير الجهد والمعرفة وقلب منظومة القيم التى جعلها المجتمع ضوابط وقواعد أخلاقية تضبط سلوك أفراده وتحكم تفاعلاتهم.


Posted on Monday, August 16, 2010

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.