" أنا العميل رقم 1"  
العودة إلى المقالات

" أنا العميل رقم 1"

 

بقلم: محمد نورالدين


...أيها الليبيون: ما أن أطل عليكم فجر الفاتح من سبتمبر حتى بدأت في هدم ما بنيتموه طوال الثمانية عشرة عاما من بعد الاستقلال المزعوم، فمزقت دستوركم ورميته في سلة المهملات، وعطلت قوانينكم التي كنتم بها تحكمون وشتت نوابكم وأودعت وزراءكم السجون وطاردت كل من شممت منه رائحة عدم الولاء لي والطاعة لأوامري...وأبدلت كل ذلك بإعلان دستوري كتبه لي "فتحي الديـب" مندوب عبد الناصر...وجمعت كل ضباط الجيش الذين أحسست بأنهم لن يكونوا لي عونا وسندا ولم ينتهي عام 69 حتى أودعتهم سجوني ولفقت لبعضهم تهم الخيانة التي لقنها لي معلمي ورائدي وقدوتي "جمال عبد الناصر".
 
وما إن جاء عام 1970 حتى انقضضت على " رجال سبها" الذين ظنوا لمحدودية معلوماتهم عني بأني " ألعب في الميدان وحدي" فأرادوا الفتك بي وظنوا أني فريسة سهلة كما كانوا يعرفونني فتغذيت بهم قبل أن يتعشوا بي...!
 
بدأت في العام 1970 أولى خطواتي في القضاء على أي جماعة أو تنظيم..لأنني أعرف من تجربتي أن الخطر الحقيقي دائما يأتي من العمل الجماعي، أما العمل الفردي فأعرف أن خطره محدود والقضاء عليه سهل وميسور...عرفت أن ليبيا فيها بعض التنظيمات الحزبية وذلك وصلني مما وجدته في ملفات مخابرات العهد الملكي إذ كانوا يرصدون تحركات الحزبيين ولكنهم لم يتخذوا ضدهم أي إجراءات ..أما أنا فأعرف وأدرك أن هؤلاء يشكلون خطرا حقيقيا علي وعلى ثورتي خلال بضع سنين بعد أن يعرفون " حقيقتي"، ولذا فتحت لهم أبواب التعاون معي لكي أتعرف عليهم من قرب، منهم من انخدع بي وتعاون معي، ومنهم من عرفني منذ البداية فابتعد عني...لكنني قررت أن أؤجل افتراسهم لبعض الوقت.
 
توجهت بعدئذ إلى "القبائل " فتسللت بين صفوفهم وزرعت بينهم الفتن واشتريت بأموال الخزينة ضمائر بعض مشائخهم، وبذا استطعت أن أكسر شوكتهم وأضعف لحمتهم وهم وإن لم يكونوا في مستوى خطر الأحزاب إلا أنهم قوة لا يستهان بها إذا أحسن استخدامها في مواجهة الحاكم، انظر لما يحصل لعلي عبد الله صالح في اليمن اليوم وما يعانيه من محاربتهم له وتصديهم له، لذا فإني منذ البداية أدركت خطرهم فشتت شملهم وبعثرت جمعهم وحرضت سفاءهم على كبرائهم فأصبح شيخ القبيلة " مضحكة القبيلة" بعد أن كان حكيمها وأميرها.
 
وبعد أن فرغت من مسألة " القبائل " اتجهت إلى القوة الثانية في المجتمع وهي " المال " والتي كانت في أيدي التجار والمقاولين فقمت بشن حملة دعائية ضدهم بدعوى أنهم سماسرة ومرتشين وشبهتهم ب " قاطعي الطريق " ومصاصي دماء الفقراء، واستطعت بحيلتي ومكري ودهائي أن أستفرد بهم فقضيت عليهم قضاء مبرما وانتزعت منهم سلاحهم "المال" الذي قد يحاربوني به، فأصبحوا يتسابقون على البنوك محملين بشولات المال الذي جمعوه طوال السنوات الماضية لأعطيهم بدلا منه ورقة باهتة لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به وكانت حيلتي في ذلك قانون تغيير العملة الذي أصدرته، فأصبحوا بعد غنى في فقر وبعد عمل في بطالة..تركتهم يتسولون في الشوارع منبوذين من المجتمع...!  
 
كنت في كل معاركي أستخدم السفهاء واللقطاء والجهلة...جمعــت من حولي كل " سقط المجتمع"...كانوا يتبعون أوامري منهم من على طمع ومنهم من على جهل ومنهم من كان لا قيمة له في المجتمع ويريد أن يكون له مكانا في المجتمع الثوري الجديد...لم أقترب من الشرفاء والعلماء والمثقفين والمتدينين وأصحاب الأصل وأبناء وأحفاد المجاهدين في معاركي هذه لأني أعرف أنهم ليسوا رجال هذه المرحلة.
 
بعد أن قضيت على رجال الجيش الذين كانوا سنـــدي في ثورتي ولم أبــق منهم إلا من أعرف أنه عبيط وساذج مثل أبو بكر يونس جابر الذي تاه في الطريق عندما كان ذاهبا يزور أهله في " واحة جالو" فوجد نفسه عند غرماء قبيلته " في واحة اجخرة" أو مثل الماكر الملئ بكل أنواع الشذوذ "مصطفى الخروبي"...وهكذا أبقيت من حولي كل من أعرف أن لديه على الأقل " خصلة رديئة" أستطيع من خلالها أن أسيطر عليه وأسيره في الخط الذي أريد وأضمن عدم معارضته لي.. لذا فقد بدأت برنامج تصفيه عن طريق حوادث سيارات مفتعلة لعدد من الضباط الذين أشعر بأنهم سيكونون صدا منيعا لي في تنفيذ منهجي ومخططي الذي جئت من أجله وقمت "بثورتي" بسببه.
 
وما إن جاء عام 1973 حتى ذهبت إلى " أزوارة" حيث ألقيت بها خطابي الشهير الذي ألغيت فيه ما بقي من قوانين ومن أجهزة إدارية ودعوت إلى الزحف على "المؤسسات" والشركات وأجهزة الدولة لتدار بواسطة " الرعاع" الذين جمعتهم لهذا الغرض وأعلنت الفوضى تحت مسمى "الزحف" وأمرت بحرق المكتبات بما تحويه من معارف وثقافات بدعوى أنها " مستوردة " وكانت في حقيقتها كتب من الترات الإسلامي والتاريخ الإسلامي وكتب علمية ودعوت "أتباعي" إلى إلقاء القبض على كل "مثقف" وإيداعه السجن.. وجمعت كل "الحزبيين" الذين رصدت تحركاتهم خلال الثلاث سنين الماضية ومن خلال المصيدة التي نصبتها لهم وهي " ندوة الفكر الثوري"، وألغيت مجلس قيادة الثورة فتخلصت ممن بقي من رفاقي في الثورة وأبقيت معي ممن قبل بهذا التغيير...وبذا أحكمت قبضتي على مقاليد البلاد فلم يعد معي بعد اليوم لا مجلس قيادة الثورة ولاوزراء ولاقبائل ولا أحزاب ولا مثقفين ولا كتاب ولاقانون ولا دستور..أصبحت منذ ذلك اليوم السابع من أبريل 1973 حاكم ليبيا القوي بيدي السلطة والثروة والسلاح وتحت أقدامي "الشعب الليبي " بكل ما يحمل من تاريخ وقيم ومبادئ...أصبحت منذ ذلك اليوم أنا السيد الوحيد فوق هذه الأرض المسماة "ليبيا "، واستتبت لي الأمور وأصبحت " الناطق الفاتق"، إشارة من يدي تعني الموت أو الحياة...توجهت إلى عدو آخر أخشي عداوته وهو "العلم" فأحضرت مجاميع من الغوغاء أسميتهم ب " اللجان الثورية " فاجتاحوا الجامعات والمعاهد والمدارس كما اجتاحت جحافل التتار بغداد...فداسوا على العلم والأساتذة والمعلمين ولم يبقوا احتراما لعالم أو متعلم... وجمعوا الطلاب والأساتذة من الذين عارضوا تورثي وأودعوهم السجون والمعتقلات، كانت  تلك الثورة الطلابية والتي طهرت ساحات العلم من كل صوت قد يرتفع ضدي أو يدعوا للثورة علي...إنني أدرك هذان الخطران (العلم والمال) ولذا كان توجهي منذ البداية أن أسلب الليبيين كل الليبيين عدا أبناء القحوص وأتباعي الذين فتحت أمامهم أبواب العلم يغترفونه من منابعه في جامعات الغرب، ـ أقول ـ عدا هؤلاء فقد كانت سياستي هي تخريج أجيال من أنصاف المتعلمين والقضاء على أي ثقافة أو فكر أو معرفة وسلب الليبيين أموالهم وبذا يكون الشعب فقيرا معدوما جاهلا أستطيع بذلك السيطرة عليه وتحقيق منهجي الذي جئت من أجله فالمعرفة والمال عدواي اللدودان.
 
عرفت أن الناس سيتجهون إلى " الدين" عندما تشتد بهم المحن وتحيق من حولهم المصائب لذا بدأت في حملات عشوائية على المساجد والمعاهد العلمية وغيرت المناهج ولم يسلم مني حتى الأموات...فنبشت قبور رجال الحركة السنوسية لما يمثلوه عند ضمير الشعب الليبي من تاريخ مليء بالجهاد والكفاح وتسللت في أخر الليل وأشرفت بنفسي على هدم ضريح شيخ الشهداء عمر المختار وأبعدت هذا الرمز من وسط مدينة بنغازي حتى لا يكون حافزا لأهلها للثورة علي وعلى أفكاري أردت بذلك أن أجعل الاجيال الجديدة تنسى تاريخها...وأصبح تاريخ ليبيا يبدأ من تاريخ ثورتي وتعمدت أن أذيق الشعب من وقت لأخر انغماسا في المحن والمصائب فأدخلت في القاموس الليبي مسلسل مآسي الطائرات، بدأته بأول طائرة كانت متجهة إلى مصر فسقطت فوق " إسرائيل" وكان بها وزير خارجيتي أبو يصير الذي اكتشف أمري وأسر إلى أحد أصدقائه بقوله: إن هؤلاء الناس (ويقصد جماعتي ) وراءهم سر كبير...وكنت حريصا على أن لا أجعل هذا السر يخرج لأن في خروجه بداية النهاية ورغم أن جيسكار ديستان أشار إلى ذلك في إحدى تصريحاته عندما قال : لو يعرف الليبيون من وراء امعمر القذافي لاأكلتهم المرارة...ورغم أن الأمير عبد الله السعودي (الملك فيما بعد) واجهني بهذه الحقيقة أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي بشرم الشيخ وتسأل بصوت عال : أنت من الذي أتى بك..وقال بصوت خافت : إنهــم الإسرائليون...إلا أن أحدا لم يعره اهتماما...وعندما اكتشف الرائد صالح بوفرة في رومانيا سر ذلك اللقاء المريب مع أحد قادة اسرائيل أثناء زيارتي لرومانيا فطلبت من صديقي " تشاوشيكي" أن يقضي على ذلك الضابط المسكين الذي كان حظه السيء أنه كان حاضرا لذلك اللقاء. وتكرر المشهد مرة أخرى عبر سفارتنا في روما وكان الضحية هذه المرة سفيرنا في إيطاليا يومئذ عمر ضوء التقازي عندما جاءته امرأة أفشت له سري فاضطررت لقتله. وعندما حاول "المحيشي" أن يجعل من ذلك موضوعا يستحق البحث والمتابعة وضعته في قائمتي...قائمة الموت..وكان الموت له بالمرصاد في أبشع صوره وأفظعها..إنني لا أرحم تجاه هذا السر الكبير...ورغم أني أخطأت عندما قمت بزيارة أقربائي في إيطاليا وسمحت للمصورين أن يلتقطوا لي صورا معهم ويسجلوا أهازيجهم التي تعبر عن فرحهم "بعودة الابن الضال " إلا أن ذلك لن يثنيني عن التواصل مع الثلاثي الرهيب "الصهيونية والماسونية والمافيا" الذي يربطني بهم رباط متين جعل من برولونسكي رئيس إيطاليا ينحني احتراما وتقديرا وإجلالا لي أثناء قمة سرت...أمام العرب والليبيين والعالم جميعا...ولم يدرك الكثير مغزى هذه الانحناءة وهذا التكريم من قبل رئيس دولة كبيرة كإيطاليا...
 
وتوالي مسلسل الطائرات فيبعد طائرة أبو يصير شاركت في إسقاط طائرة "لوكربي" ورغم أني لم أكن الفاعل الرئيسي إلا أن الجريمة لبستني وأسقطت طائرة (U T A) بعدئذ لأقتل شخصا واحدا انتقاما منه لما فعل بي، ثم بعد ذلك أسقطت طائرة الخطوط الليبية التي كانت متجهة من بنغازي إلى طرابلس في نفس تاريخ ذكرى إسقاط طائرة لوكربي لأثبت للعالم أننا نعاني من الحصار المفروض علينا نتيجة نقص قطع الغيار والصيانة وإن كان الواقع غير ذلك تماما حيث جرى إسقاطها بواسطة صواريخ موجهة من طائرة عسكرية، ولم يسلم مني حتى الأطفال فحقنت أطفال بنغازي بالإيدز عندما سمحت لإحدى شركات الأدوية بإجراء تجارب حول لقاح مضاد لهذا الداء الخبيث... ولم ينج مني أحد...فقد فتحت أبواب جهنم على الشعب الأعزل الفقير في تشاد الجارة المسكينة إرواء لغليل العطش للدم المتمكن مني...فكان جنودنا يعطون الأطفال التشادين "الرمانات" ويوهمونهم بأنها حلوى فيأخذونها إلى بيوتهم فتقتل أمهاتهم وأبائهم وإخوتهم... ولم نخرج من تشاد إلابهزيمة منكرة سقط فيها ألاف الضحايا... من الشباب البريء الذين كنا نأتي بهم من مدارسهم ولا خبرة لهم في القتال ولا معرفة عندهم للسلاح...وضاعت منا " أوزو" وأهدرنا الملايين في السلاح الذي اشتريناها وردمته صحاري تشاد مع جثث القتلى الليبيون. وعندما حشدنا "موسفيني" في مؤتمر كمبالا عند تلك الخيمة اللعينة وعلى ضفاف بحيرة "فيكتوريا" ذكرني ذلك بجنودنا الذين التهمتهم "التماسيح" في تلك البحيرة وانتابني شعور بالخوف والهلع وقلت في نفسي لو أن " مجنونا " من جماعة شباب المجاهدين الصوماليين ألقى بنفسه علينا لردمنا جميعا في تلك البحيرة وكنا طعما للتماسيح..وتذكرت العداء الذي بيني وبين " موسفيني" جراء دعمي لأحد حركات المعارضة له فأثرت الصمت على الكلام ولملمت أطراف عباءتي وحتى مشروعي لاتحاد افريقيا نسيته تماما وسحبت تلويحي بالتسعين مليار دولار التي أسالت رياق رئيس السنغال فظن أن ما أقوله جادا وكان غرضي من ذلك إرسال رسالة إلى الشركات الأوربية والأمريكية بأني حاضرا للدفع إذا تمت الموافقة والمباركة لاستمرار حكم عائلتي لليبيين لخمسين سنة قادمة...!
 
وجاءت حقبة الثمانينات بما حملت من ألام وأحزان لكل سكان ليبيا حيث تفننت في إقامة أعراس المشانق لأبنائهم خلال شهر رمضان وخلال شهر أبريل من كل عام وأصبح يوم السابع من أبريل (عيد الشنق) ما أن يهل حتى ترتجف أبدان المواطنين وتتعلق أبصارهم ونفوسهم خوفا وهلعا وكانت (بناتي) من عناصر الحرس الخاص والراهبات... "يبدعن" في أذية أجساد الذين يتم شنقهم كن يتلذذن بذلك وكنت أسعد بعملهن هذا...وكانت هدى بن عامر زعيمة الشناقات أكثرهن جراء وشجاعة.. لقد كانت تتعلق بأرجـــل الرجال...بتشفي وبحقد وبدموية منقطعة النظيــر...وما إن جاءت " حقبة التسعينات" حتى انفجرت أحداث "الشباب الإسلامي" لقد أثارهم تصرفات عناصرنا من " اللجان الثورية" من قمع وهتك للأعراض وسلب للأموال وتعدي على الحرمات وانتهاك للمساجد ونبش القبور فاصدر مشائخهم فتاوى بضرورة التصدي لهذه المظالم بقوة السلاح ونجحوا في قتل بعض منا وأثاروا الرعب والخوف في أتباعي وخشيت أن ينفرط عقدهم من حولي فأمرت بالضرب بكل ما نملك من قوة...حتى النابلم استخدمناه في ضربنا لمعاقلهم في الجبل الأخضر، طاردناهم من طرابلس ومصراته والجبل الغربي والزاوية واجدابيا وبنغازي وطبرق ودرنه والبيضاء...،كنا لهم بالمرصاد، سحلنا بعض مهم في الشوارع ليكونوا عبرة لمن يعتبر... وكانت خاتمة المطاف القضاء على معظمهم في تلك المذبحة الرهيبة في سجن أبو سليم ولم يهنأ لي بال ولا خاطر إلا عندما وأريتهم التراب تحت أسوار أبو سليم ثم بعد أن ازدادت صيحات الاستنكار حول هذا الحدث الرهيب أمرت بإخراج الجثث وإذابتها في محاليل كيماوية لم تبق منها شيئا، لقد أخذت خبرة ممن سبقني في ذلك المرحوم الحسن الثاني عندما صب الأسيد على " بن بركة " فلم يبق منه لحما ولا عظما...
 
أيها العرب أنا من خرجت عليكم في ذلك الصباح وقلت لكم أنا : " أمين القومية العربية" وأنا من أعطاني عبد الناصر حق زعامتكم بعد مقتله مسموما...وأنا من يسعى إلى توحيدكم ولم شملكم وأنا من سيحرر لكم فلسطين...!  
 
فأنشأت لكم إذاعة تخاطبكم واخترت لها تعابير رنانة تشتاق أسماعكم لسماعها مثل إسطبل داوود وتل الربيع..وأنتم لو دققتم في معنى هذا الإسم لأدركتم أني كنت امتدح عاصمة أهلي فعندما تصف مكانا بالربيع فهذا يعني الورد والياسمين والزهور وكل شيء يبهج ويفرح..الربيع يعني الشمس والخضرة والماء...وأنا سميت عاصمة أهلي بتل الربيع لأمحي من ذاكرتكم "تل أبيب" الذي تكرهون.
 
بدأت أولى خطواتي في استقطاب حركات المقاومة الفلسطينية فاشتريتها بالمال جميعهم يقبضون لكل واحد منهم ثمنا...استطعت بالمال السيطرة عليهم وتوجيههم واختراقهم، وجهتهم في الاتجاه الذي يريده مني أهلي وعشيرتي، ظاهري رحمة وباطني عذاب...وهاهي انتهت تلك الثورة بشريط ضيق محاصر اسمه " غزة" وبقطعة من الأرض لا تعادل عشرة في المائة من أرض فلسطين يتناحر فوقها ما بقي من عناصر ثورة فلسطين..ولم تبق من تلك الوجوه إلا عباس و دحلان أشعلت الفتن في لبنان وبذرت الفرقة بين أهلها وبين الفلسطينيين فأصبحوا لا يعرفون عدوهم من صديقهم وقتلت زعيم الشيعة في لبنان الإمام الصدر ورفيقيه ورغم أن ذلك خطأ فادحا ارتكبته..لازلت أعاني من تداعياته...إلا أنني في النهاية استطعت "لفلفة" الجريمة كغيرها من الجرائم التي ارتكبت..
 
دعمت البوليساريو ليكونوا شوكة في خصر المغرب ولم أتوقف عن ذلك إلا عندما شعرت بخطر "الليبيين" المتواجدين في الرباط فعقدت صفقة مع الملك الحسن الثاني يومها كان نصها أن أتوقف عن دعم البوليساريو في مقابل إخراج تلك الحفنة المزعجة من الليبيين الذين سموا أنفسهم "معارضة" وكان لي ما أردت أخرجوهم من هناك وتفاهمت مع البوليساريو بأن أعطيتهم ما يحتاجونه عاما مسبقا...من مال وعتاد وسلاح... ولم ينقضي العام حتى فك الحسن الثاني ارتباطه بي ـ بعد أن أدرك الخديعة التي وقع فيها عندما اكتشف جنوده أن السلاح الذي بيد البوليساريو مطبوع عليه اسم عاصمتنا "طرابلس".
 
وقفت مع " جون جارنج" في وجه النميري فبعثت إليه بملايين الدولارات والأسلحة والعتاد..وتحقق ما أردت هاهو الجنوب سينفصل عن الشمال...ودعمت ثوار دارفور فأنشأت لهذا الغرض مشروع ساق النعام الزراعي في دارفور وكان جنودي بلباسهم المدني ينقلون السلاح والعتاد إلى صحارى دارفور ضمن "المعدات الزراعية" وكانت تدفن في أماكن معروفة كان ذلك في العام 1985 بعد سقوط النميري الذي شاركت في إسقاطه وعندما انفجر الصراع في الألفية الثانية كان سلاحي وعتادي هو الأداة والحربة التي استخدمت في المعارك...وهاأنذا أنتظر إلى اليوم الذي أرى فيه دارفور دولة مستقلة، دعمت الإيرانيين في حربهم ضد صدام ورغم أني أكره الملالي إلا أنني عقدت معهم صفقة الصواريخ..كان جنودي يذهبون إلى خطوط المعارك الأمامية وينصبون منصات الصواريخ التي يطلق كل يوم صاروخ في اتجاه عاصمة الرشيد "بغداد" فجر كل يوم كان يسقط صاروخ يروع المدينة وأهلها وسقط قتلى وجرحى من سكان المدينة الآمنة التي رغم الحروب الطاحنة على جبهات القتال الإيرانية ـ العراقية لم تصلها الحرب ولكن بفضل صواريخي التي كان يكلفني الواحد منها "مليون" دولار استطعت أن أدخل بغداد في أتون المعركة مما دفع صدام إلى التفاوض معي وكان الثمن إخراج عناصر الإنقاد من بغداد في مقابل إيقاف دعم إيران بالصورايخ وكان لي ما أردت...!  
 
وأما اليمن فقد كان له نصيب من ثورتي فقد أمددت الشمال والجنوب بشتى أنواع المتفجرات والقنابل الموقوتة مما أشعل فتيل الحرب الأهلية التي لن تنتهي إلا بانفصال الجنوب عن الشمال وهذا ما أسعى إليه.
 
لقد دعمت الحركات الجهادية في مصر والسعودية والجزائر وفي بلدان أخرى لكي تخدم أطراف خفية يهمها انعدام استقرار هذه البلدان وبالمجمل استطعت..أن أجعل بلاد العرب تشتعل فتن وحروب ومشاكل مما أوقعهم في فقر وجهل وتخلف. يجنون ثماره كل يوم وهاهم العرب ـ اليوم ـ يحصدون ما زرعت، هاهم فرقا ممزقة أشتات، يلعن بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، ويتأمر بعضهم على بعض ويبيعون أوطانهم للأجنبي في مقابل بقائهم على عروشهم وكراسيهـــم... ولن تجديهـــم تحركات ملـــك أو رئيس هنا أو هناك لأن عوامل الفرقة والتناحر زرعت في أوساطهم وتغلغلت في أعماقهم.
 
أيها المسلمون : ـ أما أنتم فلقد فعلت بكم عجبا ... ورغم كل ما فعلته بكم لازال مشائخكم وعلمائكم يقدرونني ويحترمونني وينظرون إلي وكأني المهدي المنتظر...! بدأت أولى خطواتي نحوكم بالدعوة إلى تحريف كتابكم المقدس فدعوت إلى حذف بدايات السور التي تبدأ "بقل" بدعوى أنها موجهة إلى "نبيكم " لينقلها إليكم وهاقد وصلتكم ومات نبيكم فلا داعي لأن تقرؤوها عند تلاوتكم... وكنت أطمح من ذلك إلى نزع "القدسية" من كتابكم فإن أخذتم برأيي فتحتم الباب على أنفسكم لمن أراد أن يحرف أيات القرآن...ثم تكلمت عن نبيكم ووصفته لكم في خطاباتي بأنه ما هو إلا "كساعي البريد" أوصل إلينا "الكتاب ـ القرآن " وانتهت مهمته بوفاته ودعوتكم لأن تحتفلوا بتاريخ وفاته وتغيروا تاريخكم الهجري إلى الوفاة...ثم بعد ذلك التفت إلى سنة نبيكم ودعوتكم إلى نبذها وعدم الأخذ بها لأن فيها الضعيف والموضوع من الحديث وغطيت على دعوتي هذه بأن رفعت بشعار "القرآن شريعة المجتمع" ولأنني أعرف أن السنة هي بيان للقرآن وبدونها لم تفهموا القرآن ويقع بينكم الاختلاف الذي سيؤدي إلى تفرقتكم...ولسوف يفسر القرآن كل على هواه...وكانت دعوتي مغلفة بأنني أؤمن فقط بالكتاب...
 
اتجهت بعد ذلك إلى دعاتكم وعلمائكم فهاجمتهم وسميتهم (بالزنادقة) ودعوت إلى عزلهم عن المجتمع وأمرت بجمع كل أتباعهم من الشباب والزج بهم في معتقلاتي وسلطت عليهم كلابي ينهشون أجسادهم فلم يتركوا لهم لحما ولا عظما، أهانوهم واعتدوا على كرامتهم، ضربوهم عذبوهم، مارسوا معهم أشد أنواع القهر والظلم والاستبداد جردوهم من آدميتهم فأصبحوا أشباح تمشي على الأرض.
 
لم أترك لكم مقدسا إلا هاجمته، دعوت إلى عدم السفر إلى مكة بدعوى أنها تحت الاحتلال الأمريكي ودعوتكم للحج إلى القدس وأنا أعلم أنها تحت الاحتلال اليهودي... وهكذا استطعت طوال الواحد وأربعون عاما من حكمي أن أشتت شملكم وزرعت الفتن بينكم وأبدد ثرواتكم وأشيع الفساد في أوساطكم وأجعل الجهل ديدنكم وأصبح الرعاع من أتباعي هم سادتكم فلا يحترمون كبيرا ولايرحمون صغيرا ولايوقرون عالما ولايحافظون على عرض فأضحيتم أنتم وأرضكم ومالكم ونسائكم وأولادكم وعقيدتكم وتاريخكم ملكا لي وحدي...أتصرف فيه كيفما شئت فـــلا رقيــــب ولا حسيب، أقوالي قوانين نافذة المفعول أوامري مطاعة، عبيدي وأتباعي لايعصون لي أمر، يعصون الله ولا يعصونني...
 
ولعلكم تتساءلون لماذا أنا هكذا؟ ولماذا قمت بكل ذلك؟ ولمصلحة من أعمل هذا..؟ ولعلكم لا تعرفون من أنا...! وربما جاءتكم بعض الأنباء والأخبار ولكن لسذاجتكم لم تصدقوها...وأعرف وأعلم أنكم لن تصدقوها ولفرط طيبتكم التي تصل إلى حد السذاجة والتي ذكرتني بما يرويه التاريخ عندما دخل المغول بغداد ويطلبون من الأشخاص الذين يأسرونهم أن يبقوا في أماكنهم حتى يحضروا السيوف لقتلهم وأنتم فعلتم معي نفس الشيء، ألم تسلموا أبناءكم وبناتكم لي وأنتم تعلمون أنهم ذاهبون إلى الموت..ألم تفرطوا في أعراضكم فأصبحت أنا وأتباعي ننتهك حرماتكم وقتما نشاء ألم تسلموا لي أموالكم وتنازلتم عن حقكم في ثراوتكم حيث عثت فيها فسادا و إفسادا وأنتم لا تحركون ساكنا، أنتم تعلمون أن أولادي بلغ بهم السفه إلـــى درجــــة أنهـــــم لا يستطيعون إخفاء ذلك عنكم فأصبحت صورهم تنتشر في كل مكان، أصبحت عندهم اليخوت والطائرات الخاصة وأصبحوا يصرفون على ملذاتهم بالملايين وانتم سادرون في فقركم وعوزكم تبكون وتنوحون وتلطمون خدودكم وأكثر ما تستطيعون عمله هو الدعاء علي وعلى أولادي ولكن الله لا يقبل لكم دعاء...!   
 
ما يهمني اليوم هو بقاء عائلتي في الحكم نريد حكم ليبيا إلى الأبد، نحن عائلة لنا جذور ضاربة في التاريخ، لدينا أصول أوربية، الظلم الذي ألحقتموه بنا قبل ـ الثورة ـ لن يمحي من ذاكرتنا مثل ماحدث للهيلوكست...أيام العوز والفقر والذل ذهبت ولن ترجع مرة أخرى..ولذا فقد جلبت أبناء قبيلتي من القحوص وأدخلتهم المدارس وأرسلتهم للتعلم في الخارج فأصبح منهم الدكاترة والاساتذة وأصبحوا بعد أن كانوا حفاة عراة يملكون الطائرات الخاصة واليخوت ويلبسون الذهب والحرير ويجلسون مع الملوك والرؤساء ولهم حسابات في مختلف مصارف العالم تحوي الملايين وبفضل أهلي وعشيرتي الذين كافأتهم بأن حولت لهم المليارات من أموال الليبيين وفتحت لهم موانئ تصدير النفط الليبية تزودهم حاجاتهم من النفط...وأما إخواني من المافيا فقد اشتريت لهم مئات الهكتارات في أخصب أراضي إيطاليا زرعت بالكروم وأصبحوا يسيطرون على تجارة النبيذ في أوربا كلها...ذلك في مقابل ما قدموه لي من خدمات وخاصة التسهيلات اثناء الثمانينات عندما قررت تصفية الفارين إلى أوربا.
 
لم أنسى في حياتي ما فعلتموه بنا بعد نكبة 1967 من قتل وتشريد ونهب للأموال جعل من أبناء عشيرتي مشردين في أنحاء أوربا، وهاهو أبن عمي رفائيل يعود إلى بلده معززا مكرما ولن أتوقف أبدا عن السعي لعودة أهلنا من الشتات إلى حيث أرضنا ومالنا ووطننا، ورغم ماقام به الغوغاء أثناء استيلائهم على القنصلية الإيطالية ومحاولة إنزال العلم الإيطالي وما وجهتهم به من الرصاص الحارق القاتل إلا أنه لم يرو لي غليلي إلا عندما أحضرت برولونسكي وجعلته يلقي خطابه من نفس المكان الذي ألقيتم فيه خطابكم المزعوم حول الاستقلال المزعوم كما أنني أصريت على ذهاب ابن المختار إلى الطليان لتقديم طلب الصفح والغفران لما فعله أبوه في حقهم...

إذا كنتم أنتم تنسون ما فعلناه بكم فنحن لم ننسى شيئا، وإذا كان أبناءكم السذج البلهاء من أتباعي ينفذون أوامري ويطيعون أمري وتعولون على يقظتهم فياطول انتظاركم، لقد خدرتهم شهوات السلطة والمال والنساء، لقد انغمسوا في الملذات حتى أصبح الواحد منهم لا يعرف الليل من النهار...ليبيا جائزة السماء أعطتها لنا...ونحن أحق بها، استرجعناها منكم بقوة السلاح، واستطعنا بأموالكم وأولادكم أن نحتفظ بها.. لن تقوم لكم قائمة بعد اليوم...فالتاريخ لا يكتبه إلا الأقوياء وأنتم ضعفاء في نفوسكم...ولا تملكون من أمركم شيئا...ليس أمامكم إلا أن تستسلموا لنا وتواصلوا الخنوع لنا وتعترفوا بسيادتنا عليكم...فنحن السادة وأنتم العبيد...لقد خربتم على أنفسكم باهتماماتكم الضيقة، لقد صدق فيكم حكيمنا كسنجر الذي أطلقنا عليه تسهيلا لكم لنطق اسمه "مفتاح الغنائي" عندما وصف العرب بأنهم شعوب يتقاتلون على صغائر الأمور ويفوتون كبائر الأمور...لقد أخذنا منكم أوطانا...شنقنا أبناءكم جهارا نهارا...استخدمنا نساءكم ليخدمن جنودنا في حانتنا بتل الربيع استوردنا لكم جميع أنواع المخدرات حتى أصبحت ـ ليبيا ـ ثاني دولة عربية في استخدام الهيروين... أشعنا الفساد في أوساطكم...ودعونا تضليلا إلى فكرة ـ الإصلاح ـ تبناها ابننا ـ سيف ـ لذرء الرماد في عيونكم دعوتنا صدقها بعض البلهاء منكم...وانتظروا الإصلاح أيأتيهم على حصان أبيض يفتح لهم أبواب خزائننا..وطال انتظارهم...قد تسألونني وماذا بعد؟ وهل هناك ما يمكن أن أقوم به خلال ما بقي لي من عمر...نعم...هناك الكثير والكثير...لن يهنأ لي بال حتى يرجع بني قومي إلى وطنهم وبخاصة برقة التي كانت في يوم من الأيام أرض الميعاد...وها نحن نضع المشاريع اللازمة لذلك بدء من شحات وامتدادا إلى موطن ولادتي ـ قارة جهنم ـ بسرت مدينة الإنجازات التاريخية العظيمة..وأخيرا أقول لكم من لا ماضي له لاحاضر له ولا مستقبل...وأنا فجرت الثورة وعمري في العشرينات ولن أغادر هذا المكان حتى أحقق كل أحلامي وآمالي وسأضرب بقسوة ودون رحمة كل من يعترض طريقي.. فهل أستحق أن أفوز بلقب "العميل رقم 1 "... في عصرنا هذا بعد مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر...دعوا التاريخ ليحكم بيننا...


Posted on Monday, August 23, 2010

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.