|
"إنّ التركيبة المريضة لشخصية معمر القذافي تجعله لا يضيق فقط بأيّ صوت معارض لصوته، حتى ولو كان صادراً من أحد رفاقه الذين شاركوه الانقلاب، بل تجعله لا يتصوّر إمكان وجود أيّ رأي آخر غير رأيه يدّعي له صاحبه الصواب أو حتى مجرّد احتمال الصحّة والصواب".
الإنسان السويّ هو الذي يسعى دائماً أن يكون مع الحقّ .. ويتمنّى دوماً أن يكون إلى جانب الحقّ .. ويقابله المريض الذي يتصوّر دائماً أنّه "على حقّ" .. وتلك هي حال الضابط القذافي .. وما نزل على بلادنا من بلاء ومآسي وما ذاقه شعبها من الأمرّين على يدي القذافي إلا نتيجة لاعتقاده الفاسد هذا..
لقد أشرنا في الحلقات الماضية إلى بعض أبعاد ونتائج مفهوم القذافي السقيم لفكرة "الحقّ" و"التمسّك بالحقّ". ونواصل في هذه الحلقة والحلقات التالية نتائج وانعكاسات هذا الأمر على موقفه من "الرأي الآخر"، سواء أكان هذا الرأي صادراً عن رفاقه في مجلس قيادة الثورة أو عن غيرهم من أبناء الشعب الليبي ممّن يطلق عليهم عادة "المعارضة".
"قبل الثورة كانت فعلاً المعارضة شرعية .. والمعارضة لا بد منها فيه ما يبرّرها .. مضطرّين للمعارضة. لكن الآن [يقصد بعد قيام الانقلاب] انتصرت المعارضة اللي هي بتمثل الشعب الليبي، انتصر الشعب، وأصبح الشعب يحكم نفسه بنفسه[2] .." .. يبقى المعارضة الجديدة [أي منذ قيام الانقلاب] هي معارضة ضد السلطة الشعبية
"المعارضة في المغرب، المعارضة في الأردن .. هذا فعلاً وجود المعارضة لما يكون فيه حكومة ويكون فيه شعب ما تمثلاش الحكومة .. هنا أصبح الشعب مضطراً لأنّه يكون معارضة .. لكن في بلاد تحرّرت [يقصد بعد قيام الانقلاب فيها] ما نسمعوش حكاية اسمها المعارضة. من اللي يبي المعارضة في بلد متحرّر زي الجمهورية العربية الليبية مثلاً ... يعني ليست توجد معارضة؟ في الحالة هذه يعارض من؟ بيعارض الثورة؟ إذن هو ضد الشعب لأنّ الثورة قامت من أجل الشعب .."
ويواصل القذافي:
"الاتحاد الاشتراكي العربي هو السلطة العليا والرقابة الكاملة في الجمهورية العربية الليبية، وإذن خلاص الشعب استطاع أن يحكم نفسه بنفسه .. وانتهت حكاية حكومة وشعب"[3] .
ثمّ يصل القذافي إلى خلاصة لا يصل إليها إلا صاحب فكر مريض سقيم فيقول:
"الآن خلاص حكاية معارضة انحلّت في بلد وقعت فيه ثورة شعبية .. بلد وقعت فيه ثورة شعبية انتهت فيه المعارضة نهائياً .. المعارضة موجودة في بلد لم تقع فيه ثورة شعبية من قبل."
فقد جاء على لسانه أثناء إلقائه لخطاب بمدينة طرابلس يوم 1616 اكتوبر 1969 (أي بعد مرور أقلّ من شهرين على وقوع الانقلاب) ما نصّه:
"حفاظاً على الوحدة الوطنية التي تتميّز بها ليبيا دون غيرها من الأقطار العربية، حفاظاً على هذه الوحدة الوطنية الرائعة، هذه الوحدة الوطنية الطبيعية، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يفتح الباب للحزبية."
فوفقاً لمنطق القذافي السقيم فإنّ "الأحزاب السياسية" هي ضد الوحدة الوطنية .. ومعنى ذلك أيضاً أنّ الدول التي سمحت بقيام الأحزاب السياسية في بلادها لم تراعِ مصلحة الوحدة الوطنية فيها.
كما جاء على لسان الضابط القذافي في خطاب لاحق أثناء مؤتمر طلبة الجامعة الليبية بمدينة بنغازي يوم 6 نوفمبر 1969:
"طبعا [؟!] لا حزبية بعد اليوم .. هذا شيء مفروغ منه[4] [؟!؟] لكن الآن قد تحقّقت الثورة، وأصبحت هذه الشعارات [يقصد الشعارات الثورية التقدمية] الآن موضع التطبيق والتنفيذ .. وهنا انتفت الأغراض من الحزبية [؟!]، وإذا شخص استمرّ في حزبيته معنى هذا أنّه غير راضي على النظام الثوري[5] .. الأحزاب طبيعتها تتناقض مع الوحدة الوطنية[6].. ووظيفتها تتعارض مع الوحدة العربية"
وبالمنطق السقيم نفسه يعود القذافي لترديد هذه الترهات أثناء لقاء له مع المواطنين ببلدة بني وليد يوم 27 أغسطس1971 فيقول:
"ما دامت الثورة قامت في ليبيا وتحقّقت مصلحة البلد [؟!] وتحرّر الشعب لم يعد عناك داعي للأحزاب."
إذن فوفقاً لمنطق القذافي فمجرّد "قيام الثورة" يبطل في حدّ ذاته الحاجة والحجّة لقيام الأحزاب السياسية .. منطق ضارب دون أيّ شكّ في السقم .. وبالطبع لو ناقشت القذافي حول هذا الموضوع لأكّد لك بأنّ هذا ينطبق على "ثورته" وحدها دون غيرها من الثورات ..
وقد يتصوّر بعض القرّاء أنّ القذافي ربّما قصد منع الأحزاب السياسية خلال المرحلة الحرجة الأولى التي كان يمرّ بها انقلابه .. وأنّه ربّما كان يضمر استعداداً للتخلّي عن هذه القناعة في سنوات تالية .. غير أنّ القذافي يؤكّد لهؤلاء أنّ انتظارهم قد يطول لنحو مائة عام .. حيث جاء على لسانه في حديث مع صحيفة "النهار" اللبنانية بتاريخ 1 يونيو 1972 :
"يمكن بعد (100) مائة سنة نكون في حاجة إلى الأحزاب .. أمّا في هذه المرحلة فإنّنا نحتاج إلى مائة سنة بلا حزبية".
إذن وفقاً لمنطق القذافي فهو "دوماً على حق"
وبقيام انقلابه الذي هو "ثورة الحق" لا حاجة ولا مبرّر لوجود "رأي آخر" أو "معارضة" أو "أحزاب سياسية".
ولكن ماذا يحدث لو قام "رأي آخر" أو حمل بعض الناس "آراء مخالفة" لآراء القذافي أو عبّروا عن مواقف "معارضة" له؟
ذلك ما سيجيبنا عنه القذافي في الحلقات القادمة.
[1] للمزيد حول هذا الموضوع راجع كتاب "عبد الناصر وثورة ليبيا"، تأليف فتحي الديب.
[2] أرجو ألا يفوت على القارئ أنّ هذا الكلام صادر عن القذافي في عام 1972 عندما كانت البلاد تحكم بموجب الإعلان الدستوري الذي أعطت المادة (18) منه لمجلس قيادة الثورة صلاحيات مطلقة في كافّة الشؤون التشريعية والتنفيذية.
[3] أرجو أن يلاحظ القارئ أنّ هذا الادّعاء بحكم الشعب لنفسه بنفسه كان قبل قيام ما أسماه في مارس 1977 "إعلان سلطة الشعب" و"النظام الجماهيري".
[4] لماذا "طبعاً" .. وهذا "شيء مفروغ منه" ؟ وبمنطق من؟ لاحظ أنّ القذافي تحدّث بهذا المنطق القاطع والمطلق ولمّا يمضي على قيام الانقلاب شهران .. وكان في حقيقة الأمر ما يزال بعقلية ملازم إن لم يكن برتبة ملازم.
[5] معنى ذلك وفقاً لمنطق القذافي السقيم أنّه ليس من حق أي إنسان ألا يكون راضياً عن النظام الثوري.
[6] لعلّه لم يقرأ يومذاك أنّ إسرائيل قامت قبيل شنّها لحربها في يونيو 1967 بتشكيل حكومة وحدة وطنية ضمّت مختلف الأحزاب السياسية فيها .. وكذلك فعلت الشيء نفسه حكومات كثيرة قديمأ وحديثاً
|