مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 4  
العودة إلى المقالات

مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 4

 

بقلم: د. محمد يوسف المقريف - (رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند)

"لا يكفي أن يقال أنّ ليبيا تعيش اليوم ومنذ استيلاء انقلاب سبتمبر 1969 على مقدراتها، واقعاً مأساوياً كارثياً ازداد مع السنوات سوءاً وتفاقماً، ولكن ينبغي أن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ هذا الواقع هو من صنع العقيد القذافي، وهو نتاج توجّهاته وسياساته وممارساته، وأنّه هو المسؤول الأول والرئيسي عنه".
الحلقة الرابعة
حصاد الممارسات الخارجية
ماذا كان شعبنا وأمّتنا يتوقّعان من النظام الانقلابي أن يقوم به وطنياً وعلى كافّة الأصعدة الخارجية عربياً وإسلامياً وعالمياً، أخذاً في الاعتبار إمكانات ليبيا وثرواتها، وفي ضوء الميراث الطيّب من العلاقات الخارجية الحسنة التي خلّفها العهد الملكي؟
 
العقل والمنطق والمعطيات كلّها؛ المحلية والقومية والدولية، كانت توجب على النظام الانقلابي:
 
·        أن يوظّف إمكانات ليبيا الهائلة ابتداءً من أجل خير شعبها كلّ شعبها، ومن أجل رفاهيته وتطويره وتنميته، ثمّ من أجل خير جيرانها وأمّتها وقارّتها.
 
·        أن يقيم أوثق علاقات التعاون والتبادل والتضامن عربياً وأفريقياً وإسلامياً وعالمياً بما يخدم:
 
-       قضايا التحرّر والوحدة والتكامل والنهضة عربياً.
-       قضايا التنمية والتحرّر والتضامن أفريقياً وإسلامياً.
-       قضايا السلم والتعاون والتبادل الثقافي والتجاري والتقني عالمياً.
 
غير أنّ رأس النظام الانقلابي الضابط معمر القذافي فاجأ الليبيّين (بمن فيهم زملاؤه من أعضاء مجلس قيادة الانقلاب) وفاجأ العرب وسواهم بأنّه يعتبر نفسه:
 
*  وريث الناصرية وأمين القومية العربية.
*  أنّه مفكّر أممي وصاحب نظرية تملك حلّ كافّة مشاكل البشرية وإنقاذ العام أجمع.
* أنه الوصيّ على الثورة العالمية، وأنّه يملك الحقّ في تصدير الثورة إلى شتى أنحاء الكرة الأرضية، وأنّه المكلّف بتثوير العالم.
 
ولم يكتفِ النظام الانقلابي بأقوال الضابط القذافي فسارع إلى اتّخاذ كافّة الإجراءات والخطوات التي من شأنها توظيف ثروات ليبيا وإمكاناتها وعلاقاتها من أجل خدمة هذه الأوهام والادّعاءات.
 
·   فتمّ ترجمة "الكتيّب الأخضر" إلى كافّة لغات الدنيا وطبعه وتوزيعه مجاناً على حساب خزانة الشعب الليبي. كما أقيمت عشرات الندوات والملتقيات المدفوعة الثمن من أموال الشعب الليبي.
 
·   كما جرى فتح كافّة منافذ ليبيا الجوية والبرية لاستقبال شتى أنواع المرتزقة من كلّ مكان، مرتزقة الكلمة ومرتزقة السلاح ومن هم على شاكلتهم.
 
·  كما تمّت استضافة ورعاية شتى الحركات والجماعات والهيئات التحرّرية وغير التحرّرية من كلّ أصقاع العالم وأجناسه، وفُتحت معسكرات التدريب العسكري لهؤلاء الوافدين في كثير من أرجاء التراب الليبي.
 
·  تمّ تكديس مختلف أنواع السلاح والذخيرة والألغام من شتى المصادر الغربية والشرقية كما جرى إقامة مصانع لإنتاج المتفجرات والمواد المفخخة بإشراف عملاء المخابرات المركزية السابقين وغيرهم.
 
·    شرع النظام منذ مرحلة مبكّرة في بذل المساعي من أجل اقتناء قنبلة ذرّية (ولو صغيرة) ثمّ شرع فيما بعد في اتّخاذ الخطوات لاقتناء وإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
 
·    وفضلاً عن ذلك، فقد تمّ إعادة تنظيم أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية وأعيد النظر في أولوياتها وأهدافها بما يخدم هذه الأوهام، كما وضعت الترتيبات التي تكفل تمويل هذه النشاطات من الخزانة الليبية دون تقتير أو تعطيل ودون أيّ رقابة أو محاسبة.
 
وقد أورد الرائد عبد السلام جلود في خطاب ألقاه بمدينة سرت خلال ما عُرف بعيد الوفاء الذي أقيم في الذكرى العشرين للانقلاب أنّ النظام أنفق منذ قيام الانقلاب وحتى ذلك التاريخ ما نسبته 22% من عائدات ليبيا النفطية (أي نحو 44 مليار دولار) على تمويل ودعم ومساندة حركة الثورة العالمية وحركات التحرّر.
 
غير أنّ الضابط القذافي لم يكن سعيداً بإنفاق هذا المبلغ فقط على حركات التحرّر .. لقد بدا هذا المبلغ الضخم زهيداً في نظره .. فقال وبالحرف الواحد خلال اللقاء الذي أجرته معه إذاعة لندن (البي. بي . سي. البريطانية) خلال الذكرى نفسها، ونشرته صحيفة "الزحف الأخضر" الرسمية في عددها الصادر يوم 25/9/1989، ما نصّه:
 
"إنّنا نتأسّف لأنّنا لم ننفق ثروتنا كما ينبغي .. كان يجب أن ننفق حتى على حساب الصناعة والزراعة الليبية .. على حركات التحرّر في العالم ...
إنّني متأسّف جداً لأنّني لم أنفق المليارات على حركات التحرّر .. وهذا خطأ .. إذ كان يجب أن ننفق ثروتنا على هذه الحركات حتى يهزم الاستعمار والصهيونية في كلّ    مكان .."
 
لقد انتهج النظام الانقلابي، في ظلّ هذه الأوهام التي استبدّت برأس الضابط القذافي، تجاه جيران ليبيا وأشقائها ومع بقية دول العالم، سياسات عدوانية نزقة، قلقة ومتقلّبة ..
 
*      تبدأ بالبذاءة الكلامية التي لا تعرف الحدود.
*      وتمرّ بتسفيه الاختيارات السياسية والإيديولوجية لها جميعاً..
*      وتصل إلى حدّ العدوان والتآمر السافر على بعضها وبالحروب مع بعضها ..
*      وتنتهي إلى القطيعة السياسية والدبلوماسية مع معظمها.
 
أمّا تأجيج الفتن الداخلية والحروب الأهلية والإقليمية ورعاية وتمويل الإرهاب الدولي وجماعاته فقد ظلّت هواية القذافي ولعبته المفضّلة.
 
ويتّضح من مطالعة الدراسات والتقارير المتعلقة بسياسات النظام الانقلابي وممارساته وعلاقاته الخارجية (حتى عام 1989):
 
(أ)     أنّ العمليات التخريبية والإرهابية التي قام بها عملاء النظام الانقلابي شملت أكثر من (40) دولة عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية وغيرها. وقد بلغ عدد هذه العمليات نحو (127) عملية:
       -         منها (30) محاولة انقلاب فاشلة.
       -         ومنها (83) حالة تدخّل وتخريب.
       -         ومنها (14) محاولة اغتيال فردية وجماعية.    
 
(ب)   أنّ الدول العربية تليها دول القارّة الأفريقية كانت الأشدّ تضرّراً كمّاً ونوعاً من جرّاء عمليات النظام الإرهابية/التخريبية، فكانت هناك:
       -         (15) محاولة انقلاب فاشلة.
       -         (44) حالة تدخّل وتخريب.
       -         (11) محاولة اغتيال فاشلة.    
 
(ج)   أنّ النظام الانقلابي تعاون، عبر أجهزته الأمنية وما يعرف بالمثابة ؟؟ العالمية، تعاون مع ومدّ يدّ المساعدة والدعم لأكثر من (30) جماعة وحركة إرهابية في العالم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما مدّ يد الدعم لبعض الجماعات المتناحرة والمتصارعة في البلد الواحد ذاته.
 
(د)    أنّ أجهزة النظام الانقلابي قامت بتجنيد وتدريب وتجهيز وتمويل أكثر من (15) خمسة عشر ألفاً من المرتزقة الأفارقة والعرب والأوروبيين وغيرهم كما أقام النظام لهذا الغرض أكثر من ثلاثين معسكراً انتشرت في شتى أرجاء ليبيا.
 
وفي حمأة هذا النشاط العدواني الإرهابي التخريبي المتفلّت الذي مارسه النظام الانقلابي وأجهزته وعملاؤه:
 
-       جرى الاتصال والتعاون بينه وبين كارلوس وأضرابه وأبي نضال وجماعته.
 
-       دخل النظام حروبه مع مصر عام 1977 ومع تشاد على امتداد السنوات 1980-1987.
 
-       وتدخّل في الحرب الأوغندية عام 1979 والحرب الأهلية في لبنان منذ العام 1975 وكذلك الحرب الأهلية في جنوب السودان في السبعينات وحرب الخليج الأولى منذ منتصف الثمانينات، كما أسهم في إشعال نار الحرب في الصحراء الغربية منذ منتصف السبعينات وكذلك في الصومال.
 
-       وسعى لاغتيال عدد من الرؤساء والقادة العرب؛ ياسر عرفات والملك حسين وأنور السادات، كما نفّذ جريمة اختطاف وتغييب الإمام الجليل موسى الصدر ورفيقيه في أغسطس/آب من عام 1978.
 
-       كما نفّذ عملاء النظام العدوان الدموي الغادر على مدينة قفصة التونسية في مطلع عام 1980، كما نفّذوا أكثر من اعتداء على حدود السودان الغربية منذ العام 1976 م.
 
وفي حمأة هذا النشاط العدواني الإرهابي الذي مارسه النظام الانقلابي[1]:
 
·       قام عملاء النظام الانقلابي خلال عام 1984 بزرع ألغام بالبحر الأحمر وخليج السويس الأمر الذي أدّى إلى إعطاب نحو (20) سفينة أثناء مرورها بهذه المنطقة خلال شهري يولية وأغسطس (تموز وآب) من العام نفسه.
 
·       قام عملاء النظام بشحن كمية كبيرة من الأسلحة والمتفجرات على طائرات الحجيج الليبي خلال موسم الحج 1984 وكانت المتفجرات معدَّة للسيطرة على الأماكن المقدسة بالقوة.
 
·       قام عملاء النظام الانقلابي في عام 1985 بإرسال نحو مائة (100) طرد ورسالة ملغومة إلى (34) صحفياً و(70) شخصية سياسية في تونس.
 
·       قام عملاء النظام الانقلابي في أواخر عام 1985 بتنفيذ هجومين إرهابيين على مطاري روما والنمسا أدّيا إلى سقوط عدد من الضحايا قتلى وجرحى.
 
·       قام عملاء النظام الانقلابي في أبريل/نيسان 1986 بتفجير ملهى (لابيل) الليلي ببرلين الغربية ممّا أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وجرح أكثر من (150) شخصاً من روّاد الملهى.
 
·       قام عملاء النظام الانقلابي في 21 ديسمبر/كانون الأول 1988 بتفجير طائرة الركاب الأمريكية (بان آم) فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية ممّا أسفر عن مقتل (259) راكباً وملاحاً و(11) مواطناً اسكتلندياً على الأرض.
 
·       قام عملاء النظام الانقلابي في 19 من سبتمبر 1989 بتفجير طائرة الركاب الفرنسية (يو. تي. أي) الرحلة (722) فوق سماء النيجر ممّا أدّى إلى مقتل جميع ركابها وملاحيها البالغ عددهم (171) شخصاً.
 
وفضلاً عن الثمن الفادح الذي جرّته سياسات النظام الانقلابي الخارجية على الشعب الليبي وأرواح أبنائه وعلى خزانته وعلى سمعته وشرفه ومستقبل علاقاته وعلى بقية الشعوب الأخرى التي استهدفت بهذه السياسات، فقد كان من نتائجها الوخيمة أيضاً:
 
1-          قيام قرابة (50) دولة عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية فضلاً عن الولايات المتحدة الأمريكية بقطع أو تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع النظام الانقلابي.
 
2-          رفض منظمة الوحدة الأفريقية أكثر من مرّة (في مطلع الثمانينات) الموافقة على استضافة النظام الانقلابي قمّتها السنوية في طرابلس أو أن يترأسّ الضابط القذافي المنظمة.
 
3-          رفض الدول العربية عقد أيّة قمّة عربية في طرابلس رغم استجداء النظام الانقلابي لهذا الأمر أكثر من مرّة (وحتى بعد أن تعرّضت ليبيا للغارة الأمريكية في منتصف أبريل/نيسان 1986).
 
4-          قيام عدد من الدول العربية والأفريقية بتقديم شكاوى رسمية ضدّ النظام الانقلابي وسياساته العدوانية وصدور إدانات بحقّه من قبل عدّة محافل وهيئات إقليمية ودولية.
 
5-          وقوع حروب واشتباكات مسلّحة بين النظام الانقلابي وعدد من دول الجوار (مصر، تشاد) كما وصلت العلاقة بين النظام وبين عدد من دول الجوار الأخرى إلى حدّ التهديد بالحرب والصراع المسلّح (تونس، السودان، النيجر، الجزائر).
 
6-          تعرّض الشعب الليبي لعدد من العمليات العسكرية والغارات من الخارج كردّ فعل لممارسات النظام الإرهابية الخارجية (الغارات الأمريكية على سرت وطرابلس وبنغازي في مارس وأبريل 1986).
 
7-          إخضاع النظام الانقلابي منذ مطلع عام 1986 للمقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية المحدودة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان ومجموعة الدول الأوروبية.
 
8-          فرض عقوبات دولية من قبل الأمم المتحدة على النظام الانقلابي منذ أبريل 1992 بسب تورّطه في حادثي تفجير طائرتي (بان آم) و(يو. تي. إي).
 
9-          ولعلّ أخطر هذه النتائج الوخيمة على الشعب الليبي ارتهان اقتصاده وثروته لسنوات قادمة لسداد استحقاقات النشاط الإرهابي التخريبي الذي مارسه النظام الانقلابي وعملاؤه عبر السنوات الماضية.
 
وإلى لقاء في حلقة قادمة بإذن الله.
 

[1]              سوف نورد هنا أمثلة منتقاة فقط.

Posted on Friday, August 23, 2002

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.