بقلم: د. محمد يوسف المقريف - (رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند)
"لا يكفي أن يقال أنّ ليبيا تعيش اليوم ومنذ استيلاء انقلاب سبتمبر 1969 على مقدراتها، واقعاً مأساوياً كارثياً ازداد مع السنوات سوءاً وتفاقماً، ولكن ينبغي أن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ هذا الواقع هو من صنع العقيد القذافي، وهو نتاج توجّهاته وسياساته وممارساته، وأنّه هو المسؤول الأول والرئيسي عنه".
الحلقة السادسة
درجات من المسؤولية !
تحدّثنا في الحلقة الماضية عن أهمّية وضرورة تحديد المسؤول عن الجرائم والأوضاع المأساوية التي حلّت بليبيا وشعبها منذ وقوع انقلاب سبتمبر 1969 م. كما أشرنا إلى أنّه لا يوجد شك في أنّ "النظام الانقلابي"بمجموعه يُعتبر مسؤولاً بشكل مجمل عن هذه الجرائم والأوضاع المأساوية.
كما أشرنا إلى أنّ "النظام الانقلابي"يضمّ فئات كثيرة وعناصر متعدّدة تتفاوت في المكانة وفي الصلاحيات ومن ثمّ فهي تتفاوت في حصّتها ونصيبها من المسؤولية عن هذه الجرائم والاقترافات أخذاً بقاعدة أنّ مسؤولية "الرئيس" هي أكبر من مسؤولية "المرؤوس" وأنّ مسؤولية "المتبوع" هي أكبر من مسؤولية "التابع".
استفراد القذافي بالسلطة
من المهمّ جداً، قبل الخوض في بحث مدى ودرجة مسؤولية كلّ فئة من الفئات التي يتكوّن منها النظام الانقلابي عن الجرائم والانتهاكات التي وقعت بحقّ ليبيا وشعبها منذ الأول من سبتمبر من عام 1969، أن نثّبت مجموعة من الحقائق المهمّة التي تتعلّق بالسلطات والصلاحيات الثورية والسياسية والعسكرية التي ظلّ الضابط معمر القذافي يتمتّع بها ويمارسها في ظلّ هذا النظام على امتداد الأربع وثلاثين سنة الماضية، ذلك أنّ هذه الصلاحيات والسلطات هي التي سوف تحدّد درجة مسؤوليته.
وسنقسم هذه الحقبة إلى مرحلتين:
الأولى: وهي التي بدأت مع وقوع الانقلاب في 1/9/1969 وحتى قيام ما أطلق عليه "سلطة الشعب" و"الجماهيرية" و"النظام الجماهيري" في 2/3/1977.
الثانية: وهي التي بدأت منذ 2/3/1977 وحتى يومنا هذا وإلى أن يسقط هذا النظام.
وسنعرض لكلّ مرحلة منهما بالتفصيل.
المرحلة الأولى: منذ قيام الانقلاب وحتى 2/3/1977
ظلّ القذافي على امتداد هذه المرحلة يتقلّد المناصب التالية:
1- رئيس مجلس قيادة الثورة.
2- قائد عام القوات المسلحة الليبية (وفيما بعد قائد أعلى).
3- وزير الدفاع ورئيس مجلس الأمن القومي.
4- رئيس مجلس القضاء الأعلى.
5- رئيس مجلس التخطيط الأعلى.
6- رئيس المجلس الأعلى للإرشاد القومي.
7- رئيس التنظيم السياسي الوحيد المتمثّل في الاتحاد الاشتراكي العربي ومؤتمره الوطني (ثمّ القومي) العام.
وفضلاً عن ذلك، فقد شغل القذافي منصب رئيس الوزراء خلال الفترة من 13/9/1970 وحتى 6 أبريل 1972.
وعلى الرغم من أنّ "مجلس قيادة الثورة"كان وفقاً لمقتضى المادة(18) من الإعلان الدستوري، الذي جرى نشره في 11/12/1969، هو ".. أعلى سلطة في الجمهورية العربية الليبية ويباشر أعمال السيادة العليا والتشريع ووضع السياسة العامة للدولة نيابة عن الشعب .." إلا أنّ الوقائع تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ العقيد القذافي سعى ونجح بالفعل في "الاستفراد الكامل" بالسلطة دون بقية رفاقه الأحد عشر في المجلس بحيث تحوّل هذا المجلس إلى مجرّد هيكل وواجهة استخدمها القذافي كغطاء لاستبداده ولكافّة تصرّفاته وممارساته.
ولم تأتِ نهاية هذه المرحلة حتى كان القذافي قد تخلّص من سبعة أعضاء من المجلس فأصبح يقتصر على أربعة فقط خامسهم القذافي.
- فتخلّص من النقيب أمحمد أبو بكر المقريف بالقتل في 21/8/1972.
- وتخلّص من الرائد مختار القروي والرائد محمد نجم بدفعهما لتقديم استقالتيهما في عامي 1972 و1973 بعد أن نفد صبرهما في تحمّل إهانات القذافي وسبابه المتواصل لهما.
- كما تخلّص من الروّاد بشير الصغير هوادي وعوض حمزة وعبد المنعم الهوني وعمر عبد الله المحيشي بعد اتّهامهم بالتورّط في محاولة الانقلاب العسكري التي جرى الكشف عنها في منتصف شهر أغسطس من عام 1975.
وقد شهدت هذه الحقبة أيضاً في إطار استفراد القذافي بالسلطة دون "مجلس قيادة الثورة" والباقين من أعضائه:
· إعلان القذافي في 15/4/ 1973 قيام ما أسماه "الثورة الشعبية" والتي لم تكن في الحقيقة سوى التفافاً منه على مطالبة عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة له بإعلان دستور وإجراء انتخابات عامة وإعادة الحياة البرلمانية والسماح بحرية الصحافة.
· شروع القذافي –حسب زعمه- في تأليف "الكتاب الأخضر" الذي صدر الجزء الأول منه في 3/1/1976، ويتناول ما أطلق عليه "مشكلة الديمقراطية – سلطة الشعب"، وأصبحت مقولات هذا الكتيّب منذئذ المرجعية السياسية لنظام الحكم في البلاد.
· شرع القذافي منذ عام 1976 في تأسيس تشكيلات "حركة اللجان الثورية" وهي فكرة استأثر القذافي دون أعضاء المجلس بها، وهو الذي حدّد أهداف هذه الحركة ووضع شروط عضويتها كما أشرف شخصياً على اختيار أعضائها.
· شرع القذافي منذ فترة مبكّرة في هذه المرحلة من تقريب عدد من أبناء قبيلته في الجيش والشرطة (خليفة احنيش، مسعود عبد الحفيظ، حسن اشكال، الأخَوان سيد وأحمد قذاف الدم) وإعطائهم صلاحيات تفوق رتبهم ومراكزهم كما قام بتأليبهم على أعضاء مجلس قيادة الثورة وبقية ضباط الجيش.
المرحلة الثانية: منذ 2 مارس 1977
ظاهر الأمر أنّ العقيد القذافي سلّم في الثاني من مارس 1977 السلطة للشعب الليبي بإعلان "الجماهيرية" وقيام "النظام الجماهيري" المتمثّل في اللجان والمؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب. غير أنّ الوقائع تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الهياكل لم تكن سوى "واجهة" جديدة حكَم القذافي من خلالها البلاد حكماً فردياً مطلقاً مع الاستعداد الدائم لديه بتحميل هذه الهياكل/الواجهة المسؤولية عن تصرّفاته وممارساته كافّة.
1- فظلّ "الكتيّب الأخضر" بأجزائه الثلاثة (حيث صدر الجزءان الثاني والثالث تباعاً خلال عامي 1977، 1978) "المرجعية الفكرية" لنظام الحكم ولسياسات البلاد الاقتصادية والاجتماعية. كما فرض تدريسه في المدارس والمعاهد والجامعات، وتمّ تقنين مقولاته، وجرت مصادرة أي فكر يعارضه.
2- وفي مارس 1979 تمّ حلّ مجلس قيادة الثورة وإعفاء الأربعة الباقين من أعضائه من جميع صلاحياتهم ومسؤولياتهم.
3- استبقى القذافي لنفسه علانيةً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية وبالتالي فقد مارس صلاحياته بشأن هذه القوات بصفة فردية مطلقة وبلغ به الأمر حدَّ إصدار أحد القوانين المتعلّقة بها بهذه الصفة.
4- استبقى القذافي لنفسه ما أطلق عليه "الصلاحيات الثورية" واستأثر لنفسه وحده بحقّ ممارساتها وتفسير مدلولها وبيان حدودها. وفي 11/3/1990 استصدر القذافي من مؤتمر الشعب العام ما أطلق عليه "وثيقة الشرعية الثورية" التي حصرت تلك الشرعية في شخص القذافي وجعلت مجرّد توجّهاته وملاحظاته ملزمة التنفيذ من قبل هياكل النظام كافّة.
5- في نطاق ممارسة القذافي ل"صلاحياته الثورية" أعطى القذافي لنفسه، دون غيره، حقَّ ممارسة "التوجيه الثوري" و"الترشيد الثوري" للجان والمؤتمرات الشعبية ولمؤتمر الشعب العام. وهو "حقّ" استحدثه القذافي واختلقه من عنده وأعطى لنفسه –دون غيره- صلاحية تفسيره كيفما عنّ له.
6- أعطى القذافي، بموجب فهمه لصلاحياته الثورية، الحقَّ "للّجان الثورية" في ممارسة ما أطلق عليه "التحريض الثوري" وهو ما يعني باختصار تدخّل عناصر هذه اللجان بكلّ الأساليب في توجيه وتسيير أعمال اللجان والمؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام، عند مستوياتها التفصيلية والدنيا، بما يضمن أن تسير نقاشاتها وقراراتها وتوصياتها وفق ما ينسجم ويتّفق مع توجيهات "القائد القذافي" وترشيده.
7- ترتّب على فهم القذافي الخاص لصلاحياته الثورية وطريقة ممارسته لهذه الصلاحيات إزاء هياكل "سلطة الشعب" و"النظام الجماهيري" أن أصبحت هذه الهياكل مجرّد "واجهة" (كما كان مجلس قيادة الثورة من قبل) لتمرير وفرض وتقنين ما يراه ويختاره القذافي في كافّة شؤون ليبيا الداخلية والخارجية.
· فالقذافي هو الذي يقرّر متى تُدعى المؤتمرات الشعبية للانعقاد .. ولم يحدث أن انعقدت هذه المؤتمرات -أو جزء منها- بمبادرة ذاتية.
· والقذافي هو الذي يحدّد شخصياً جدول أعمال المؤتمرات والقضايا والموضوعات التي تبحثها وتناقشها هذه المؤتمرات كما يتحكّم، عبر عناصر لجانه الثورية، في الحدود التي يجب أن تتوقّف عندها المناقشات والمداولات، ولم يحدث إطلاقاً أن فرضت هذه المؤتمرات مناقشة موضوع لم يكن مقرّراً مسبقاً من قبل القذافي.
· كما حرص القذافي، في مستهلّ كلّ دعوة لهذه المؤتمرات إلى الانعقاد، على إلقاء خطاب مطوّل يستعرض فيه جدول الأعمال المزمع والمقصود من كلّ فقرة فيه وفقاً لوجهة نظره التي تأخذ على الدوام طابعاً قطعياً. ولم يحدث أن خرجت توصيات ومقرّرات المؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام عن "توجيهات" و"أوامر" القذافي إلا في حالات نادرة جداً كانت توجيهات القذافي قد اقتربت فيها إلى حدّ الجنون كما حدث عندما طالب بتطبيق نظام "المقايضة" في المعاملات التجارية والاقتصادية.
8- لم يتردّد القذافي في مناسبات عديدة عبر هذه الحقبة منذ مارس 1977 في تجاهل هذه الهياكل بشكل كلّي وسافر كلّما اقتضت مصلحته الخاصّة ذلك. ولعلّ أحدث حالتين صارختين في هذا الشأن قيامه بدفع التعويضات المالية الهائلة عن حادثتي الطائرتين الفرنسية والأمريكية وإعلانه إلغاء برنامج تطوير الأسلحة النووية في ليبيا وهو البرنامج الذي لم توافق عليه هذه الهياكل أصلاً.
9- شهدت الفترة منذ مايو 1993 انزواء الرائد عبد السلام جلود الذي كان يوصف بالرجل الثاني في النظام الانقلابي ولم يعد يمارس أيّة صلاحيات. ومن جهة أخرى، فقد اقتصر دور الثلاثة الآخرين الباقين في مجلس قيادة الثورة (أو ما أصبح يُعرف بالقيادة التاريخية) على أعمال تشريفية كاستقبال وتوديع الضيوف أو حمل رسائل إلى رؤساء الدول الأخرى.
10- شهدت الفترة منذ بداية التسعينات بروز أبناء القذافي على مسرح الأحداث في ليبيا. ولئن اتّسمت تصرّفاتهم في مرحلة مبكّرة بالنزق والعربدة والاعتداء على حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم.. ثمّ في مرحلة تالية بالانغماس في نهب ثروات البلاد وخيراتها واحتكار الكثير من المشروعات والأعمال والنشاطات المالية والتجارية، إلا أنّه لم يعد خافياً أنّ أحد هؤلاء الأبناء المدعو سيف أصبح يلعب دوراً سياسياً ويملك صلاحيات لا يتمتّع بها سوى والده وهي تتجاوز صلاحيات أي شخصية أخرى في النظام الانقلابي. إنّ بروز ظاهرة "أبناء الرؤساء" الذين يملكون نفوذاً سياسياً واسعاً، إذا كانت مستهجنة في "النظم الجمهورية" فهي بالتأكيد أكثر استهجاناً في النظم التي تدّعي أنّها "جماهيرية" وأنّها "سلّمت السلطة للشعب". ولا شكّ أنّ بروز ظاهرة أبناء القذافي بهذه الممارسات والصلاحيات المالية و"الرياضية" والسياسية الواسعة هي دليل آخر قاطع على زيف دعاوى القذافي حول نظامه الجماهيري البديع ودليل آخر على أنّ القذافي هو صاحب الكلمة والأخيرة في هذا النظام. (وتجدر الإشارة إلى أنّ المدعو "الزناتي محمد الزناتي" هو أحد أقارب القذافي وهو يحتلّ منصب "الأمين لمؤتمر الشعب العام" منذ أكتوبر 1992).
والخلاصة أنّه على الرغم من ادّعاءات القذافي بأنّه منذ مارس 1977 لم يعد ملكاً ولا حاكماً ولا رئيساً ولا أميراً، إلا أنّه في واقع الحال ظلّ يملك ويمارس صلاحيات لا يملكها أو يمارسها أيّ من هؤلاء ..
وإلى لقاء في حلقة قادمة بإذن الله.