انها رحمة الله... وليست "إحسان" الطغاة 2 من 2  
العودة إلى المقالات

انها رحمة الله... وليست "إحسان" الطغاة 2 من 2

بقلم معتوق الشيخ
ولنأت في هذه الحلقة  الى ما نشره الدكتور على الصلابي بموقع " أخبار ليبيا" الالكتروني يوم 10 أبريل الجاري بشأن هؤلاء الشباب الذين جرى اطلاق سراحهم من معتقلات النظام مؤخراً. وقبل الاستطراد في الحديث لا بد من التذكير بأن هؤلاء الشباب كما يعلم غالبية الليبيين.
 
·       هم متهمون فقط من قبل النظام بأنهم من أعضاء " الجماعة الاسلامية المقاتلة في ليبيا ".
 
·       وقد جرى اعتقالهم تعسفيا من قبل النظام منذ أكثر من عشر سنوات.
 
·       وتعرضوا لشتى صنوف التعذيب والقهر النفسى داخل معتقلات النظام من أجل الحصول منهم على " اعترافات " تستخدم ضدهم اثناء محاكمتهم.
 
·       توفي عدد من رفاقهم داخل المعتقلات تحت التعذيب أو بسبب الاهمال الصحى.
 
·       ومَثُل عدد منهم أمام محاكم أصدرت بشأنهم احكاماُ متفاوتة بالسجن فيما بقى معظمهم في الاعتقال بدون محاكمة.
 
       لقد صدّر الدكتور الصلابي ما نشره في "أخبار ليبيا" بأيتين كريمتين وحديث نبوي شريف..الآية الأولي هي قوله تعالى في سورة فاطر:  
مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)  .
 والآية الثانية هي قوله تعالي في سورة الرحمن:
 هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ  (60) 
اما الحديث فهو قول صلى الله عليه وسلم :
(( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ))
 
      •      •
 
            *ولا يستطيع القارئ لهذه النصوص في هذا السياق إلا أن يفهم أن الكاتب اراد من هذا الاستشهاد أن يقول لقارئه ولهؤلاء الشباب ولذويهم أن اطلاق سراح هؤلاء المعتقلين هو مظهر من مظاهر رحمة الله بهم وبذويهم ، وهو في الوقت عينه صورة من صور " الاحسان " التى قام بها القذافي ونجله وجمعيتهما " الخيرية " تجاههم والتى يجب ان تقابل بالثناء والشكر لصاحب هذا الاحسان.
 
       فإذا كان هذا هو ما قصده الكاتب – ولا احسب أنه يمكننا أن نفترض شيئاً غيره – فهو في نظري خطل وخلط غريب وعجيب للأمور والقضايا فضلا عن انه مستهجن ولا يستقيم ولا يليق.
 
       إن حصول الانسان المؤمن على " الشهادة " على يد " قاتل ظالم " هو مظهر من مظاهر رحمة الله بهذا الشهيد دون شك ، ولكن هل هذا يجيز لنا ان ننظر الى " القاتل الظالم " وأن نتعامل معه على انه " أحسن " الى هذا الشهيد بقتله إذ مكّنه بذلك من نيل الشهادة ودخول الجنة ؟ وهل يجب على ذوي هذا الضحية الشهيد وعلى الناس جميعا أن يقدموا " للقاتل الظالم " الشكر والمدح والثناء ؟ أم ان هذا القاتل الظالم يظل قاتلاً مجرماً في نظر الشريعة والعقل والعرف والناس اجمعين ، ويستحق العقاب والقصاص؟
 
       ما قرأته في كلام الدكتور الصلابي ذكّرني بما ورد على لسان أحد قضاة ايران خلال السنوات الأولى من قيام الثورة الاسلامية فيها .. وهو القاضي الخلخالي الذي اشتهر بإصدار أحكام الاعدام بحق اعداد كبيرة من الايرانيين ظلما .. وعندما سئل من قبل احد الصحفيين ألا يعتقد أن بعض هؤلاء الذين طالتهم أحكامه بالاعدام أبرياء ؟ أجاب بمنطق غريب ولا يليق بقاض مسلم بل وبأي قاض قائلا : " إذا كانوا ابرياء فقد ارسلت بهم الى الجنة .." .. ورغم فجور هذا المنطق ووقاحته إلا ان صاحبه كان على درجة من التواضع منعته من أن يطلب من ضحاياه وذويهم تقديم الشكر والثناء له على " إحسانه " اليهم .
 
تُرى لو وجب على هؤلاء الشباب الذين جرى إطلاق سراحهم مؤخراً شكر القذافي بحجة أن القذافي أحسن اليهم .. فماذا عن اولئك الذين فقدوا حياتهم على يدي زبانية القذافي وبناء على أوامره؟
 
تُرى هل يجب على هؤلاء وعلى عائلاتهم – وفقا لهذا المنطق – شكر القذافي لانه مكنّهم من نيل الشهادة ؟
 
       وإذا عدنا الى حالة هؤلاء الشباب الذين أطلق النظام سراحهم مؤخراً .. هل يريد الدكتور الصلابي من هؤلاء الشباب بأن ينسوا ويتناسوا للقذافي وكافة زبانيته وأعوانه ما فعلوه بمئات الليبيين من تعذيب وقتل وسفك دماء على امتداد اربعة عقود تقريبا ، بل وأن ينسوا ويتناسوا ما فعلوه بإخوان لهم داخل المعتقلات وخارجها ، بل وأن ينسوا ويتناسوا ما فعلوه بهم أنفسهم وبعائلاتهم على امتداد أكثر من عشر سنوات، وأن يحصروا تفكيره في هذه " المكرمة " التى جاد بها عليهم القذافي وابنه وهذا " الاحسان " الذي قدماه اليهم وان يسارعوا الى تقديم الشكر والثناء بمنطق " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان " و " من لا يشكر الناس لا يشكر الله ".
 
          لعل " الاحسان " الذي يقصده الدكتور الصلابي هو أنه كان بمقدور القذافي ان يبقى هؤلاء الشباب في السجن كما فعل ببقية اخوانهم ، بل كان بمقدوره ان يزهق ارواحهم كما فعل بمئات غيرهم " قال انا أحيي وأميت " ولكنه لم يفعل فأحسن اليهم وأبقى على حياتهم بل وأطلق سراحهم ومن ثم وجب شكره.
 
       إن مثل هذا المنطق يمكن أن يكون مقبولاً من نفوس لا تعرف الايمان بالله ، ولا تعرف معنى العزة والكرامة والاباء ولا تعرف أن الموت والحياة وكل ما يصيب الانسان ويناله هو بيد الله وبمشيئته .. ولكنه منطق لا يمكن ان يقبل من شخص ترعرع وتتلمذ في مدرسة الاسلام.
 
       إنني في حيرة شديدة كيف غابت على الدكتور الصلابي هذه الحقائق والمعاني .. بل وكيف غاب عليه أن هذا الحاكم الذي يطالب بتقديم الشكر اليه هو حاكم مغتصب للسلطة ، وهو حاكم ظالم ، فرّط في كافة حقوق رعيته عليه وأعتدى على كافة حرماتهم وأهلك الحرث والنسل ، واشاع في الارض كافة صنوف الفساد وأرتكب من جرائم قتل الارواح البريئة ما لا يحصيه سجل بشري.
 
      •      •
 
       *لقائل ان يقول أن ما قصده الدكتور الصلابي من بيانه الذي نشره هو أنه يرى أن ما قام به العقيد ونجله والأخرون من زبانيته بالموافقة على إطلاق سرح هؤلاء المعتقلين هو من قبيل " الاحسان " اليه شخصيا بما انطوى عليه من استجابة للجهود التى بذلها في هذا الصدد وهو " احسان " يستوجب منه تقديم الشكر لهم .
 
       فإذا كان هذا هو ما قصده الدكتور الصلابي من بيانه – وهو امر يصعب على المرء فهمه واستنباطه من كلمات البيان – فإنني ارى من واجبي أن اذكّر الدكتور ان القضية هي اكبر واخطر مما يمكن أن يكون في مفردات العلاقة بينه وبين القذافي ونجله من " مجاملات " و " مناورات" و " أجندة خفية " لكل منهما . إنها بإختصار شديد قضية شعب فقد على يد هذا المدعو القذافي قرابة اربعين سنة من عمره ومن اخطر سنوات وجوده ، عاشها في ظل استبداد وعسف وقهر وحرمان عزّ نظيره في هذا العصر وربما في كل عصر . كما أرى من وجبي أن اذّكره بالحقائق الاتية :
 
1.   إن العقيد القذافي الذي يقدم الكاتب له الشكر على الدعم الكبير الذي قدمه لملف هؤلاء الشباب الذين جرى إطلاق سراحهم ، هو نفسه المسؤول الاول والرئيسي عن كافة الجرائم والمظالم التى اشتمل عليها ملف انتهاكات حقوق وحريات الانسان الليبي سواء بمنطق الدين أو القانون أو العرف أو العقل، ويكفي في هذا الصدد أن اشير الى ما ورد على لسان القذافي يوم 9 /4 /1979 بالحرف الواحد " نعدم حتى الابرياء أحياناً بقصد ارهاب الجاني الحقيقي الذي قد لا يكون معروفاً في تلك اللحظة "
 
2.   أما بالنسبة لنجل القذافي سيف و"الجهود الاصلاحية " التى يقودها ومن بينها رعايته لملف جماعة الاخوان المسلمين وملف " الحوار مع باقي أعضاء الجماعة " الأمر الذي جعل الدكتور الصلابي يسأل الله أن " يسدد خطاه ويجعله مفتاحاً لكل خير، ومغلاقاً لكل شر وأن يقيم به عدلاً ويزيح الله به ظلماً " ، فأرجوا الا يغيب عن الدكتور الصلابي :
    •  أن هذا النجل لا يملك اي صفة أو صلاحية قانونية تؤهله لاتخاذ اي خطوة من الخطوات الاصلاحية التى تنسب اليه ، وبالتالي فهي خطوات قابلة للسحب والإلغاء والطعن في قانونيتها في اية لحظة من اللحظات. 
    • ان كافة ما قام به ويقوم به هذا النجل ( وبقية اخوته من خطوات أو اجراءات بشأن هذا الملف أو غيره من الملفات ) هو من اجل مصلحة ابيه وبالتنسيق معه وخدمة لأجندتهما الخاصة أولاً وأخيراً حتى وإن كان ظاهر بعضها هو خدمة أفراد من الشعب الليبي ورعاية بعض حقوقهم. 
    • أن هذا النجل لم يتردد خلال العديد من المناسبات أن يدلي بالتصريحات والاقوال التى تناقض بشكل جوهري وكلي ادعاءاته بشأن توجهاته الاصلاحية وهي تصريحات جديرة بالتوقف عندها وعدم تجاهلها أو التغافل عنها. كما ينبغي عدم تجاهل ما ورد على لسان القذافي مؤخراً بشأن جهود نجله الاصلاحية . 
    •  أن هذا النجل ذاته هو متهم من قبل الشعب الليبي بنهب وتهريب المليارات من أموال الخزانة العامة ، كما أنه متهم جنائيا بالاشتراك في جريمة قتل وقعت في المدينة السياحية بطرابلس وذهبت ضحيتها احدي الفتيات الليبيات. كما أنه واخوه الساعدي متهمان بالاشتراك في حضورومشاهدة مذبحة سجن ابو سليم كما لو كانت احدي مبارايات كرة القدم.
 
3.   اما زميل الدكتور الصلابي في الحوار مع هؤلاء الشباب المدعو نعمان بن عثمان فلا أدري إذا كان الدكتور على معرفة بخلفيات هذا الرجل ام لا ؟ وعلى العموم فإنني انصحه بأن يبذل جهداً في هذا الاتجاه، إذ من شأن ذلك أن يفتح عينيه على الكثير من الخبايا المتعلقة بهذا المدعو وبالأهداف الحقيقية لهذا الحوار.
 
4.   أما قيادات الاجهزة المختصة التى أشرفت على إتمام خطوة الحوار مع هؤلاء الشباب وإطلاق سراحهم والتى لم ينس الدكتور الصلابي أن يقد م لها الشكر والثناء ، فحسب علمي أنها ضمت ثلاث شخصيات على الاقل هم موسى كوسة وعبدالله السنوسي والتهامي خالد، ولا أتصور أنه غاب على الدكتور ان هؤلاء الثلاثة بالذات هم من اكثر زبانية النظام إجراماً وتورطاً في تنفيذ أعمال القتل والاغتيال والتعذيب التى وقعت على الاقل خلال العقود الثلاثة الماضية، وعلى سبيل المثال فأولهم المدعو موسى كوسة مسئول مسئولية مباشرة على الاقل عن تـنفيذ جرائم اغتيال الشهداء محمد مصطفي رمضان ومحمود عبد السلام نافع بمدينة لندن ( ابريل 1980 ) أما الثاني والثالث فهما وراء جرائم التعذيب والقتل والاغتيال التى نفذها النظام منذ أواخر السبعينات في ليبيا وخارجها وبخاصة مذبحة طائرة الركاب الفرنسية UTA  ( سبتمبر 1989 ) ومذبحة طائرة الركاب المدنية الليبية ( ديسمبر 1992) ومذبحة سجن ابي سليم ( يونية 1996 ) كما أن عبدالله السنوسي بالذات هو أحد المتورطين في عملية اختطاف الاستاذ منصور رشيد الكيخيا من القاهرة ( ديسمبر 1992) وإغتيال الشهيد على أبوزيد في متجره بلندن ( نوفمبر 1995 )
 
         *بقى ان اشير الى بعض الملاحظات الجوهرية التى أري من واجبي الوقوف عندها بشأن ما يطلق عليه " المنهج الدعوي الوعظي " في تعامل البعض - ومن بينهم الدكتور الصلابي - مع القضية الليبية بكافة ملفاتها .
 
أول هذه الملاحظات :
 
          نعم إن الاسلام في جوهره هو دعوة الى سبيل الله والى الاصلاح .. وبالتالي فإن " المنهج الدعوي الوعظي " هو من صميم هذ الدين .. غير ان القرآن الكريم وسنة المصطفي صلى الله عليه وسلم وسيرته لم تترك قضية " الدعوة " بدون ضوابط وبدون محددات التى تمنع الخلل والخلط وتحفظ على " الدعاة " وقتهم وجهدهم وكرامتهم وكرامة هذا الدين وتمنع عليهم أن " يرضوا الدنيّة في دينهم ".
 
   ومن ثم فيمكننى القول أن المطالع في ادبيات هذا المنهج يدرك بسهولة أن هناك فارقاً بين " فقه الادب مع الحاكم " وبين " استجداء الحاكم " ، كما ان هناك فارقا بين " فقه وعظ الحاكم " و " فقه محاسبة الحاكم " ، كذلك فهناك فارق بين " فقه التدرج "  وبين ترك الامور لمزاج الحاكم وهواه ، أن يقيم العدل او لايقيمه ، أن يرد المظالم او لا يردها ، أو أن يعاقب الجناة أو لا يعاقبهم.
 
ثاني هذه الملاحظات :
 
   إن بعض ممارسي هذا " المنهج الدعوي " كثيراً ما يلجأون الى اسلوب " انتقائي " يحددون بموجبه ما يتناولون الحديث والوعظ فيه ومالا يتـناولونه بحجة " فقه الاولويات " أو بغير ذلك من الحجج في حين أن الامر ليس له صلة بهذا الفقه ولا يعدو الامر أن يكون في نظري سوى توظيف الدين من أجل خدمة أجندة خاصة لدي بعض هؤلاء " الدعاة " ، او لدي بعض " الحكام ".
 
ومن الامثلة على هذه الانتقائية المعيبة ما نراه من إصرار بعض الدعاة في موقفهم من القذافي ونظامه على الوقوف عند قوله تعالي لسيدنا موسى وأخيه سيدنا هارون عليهما السلام " إذهبا الى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى " ويقفون عند هذا النص ولا يبارحونه الى آيات القرآن الاخرى التى تتحدث عن صور صراع سيدنا موسى ومعه سيدنا هارون مع فرعون وجنوده ، بل لا يشيرون إطلاقا الى دعاء سيدنا موسى الذي سجلته الاية (88) من سورة يونس عليه السلام : 
" وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ  (88)
 كما لا يشير هؤلاء إلى ما ورد في الآية (89) من السورة نفسها بشأن استجابة الله سبحانه وتعالى لذلك الدعاء بقوله :  
 قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(89)
    ومن الأمثلة على هذه " الانتقائية " التى يلجأ بعض اصحاب هذا المنهج اليها وقوفهم عند قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بعد فتحها ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)) ويتجاهلون او يتناسون موقف النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبة ذاتها تجاه بضعة عشر رجلاً من أهل مكة إذ استثناهم من ذلك العفو وأمر بقتلهم حتى ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة بسبب فداحة الجرائم التى ارتكبوها في حق الله وحق رسوله وحق الاسلام .. فالإسلام ليس مجرد صفح جميل فقط .. فهناك الى جانبه حزم اصيل[1]. 
 
ثالث هذه الملاحظات :
 
   نعم ، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ..إلا اننى ارجو ألايكون ما قصده الدكتور الصلابي بإيراد هذه الاية الكريمة أنه لا ينبغى علينا نحن الليبيين أن نيأس من رحمة الله ومن أن يتوب الله على القذافي وأن يكتب على يد " احد الدعاة " هداية قلبه .. وارجو ألا يسئ أحد الظن بي .. فأنا كمسلم أؤمن بأنه لايوجد قلب إنسان يمكن أن يستعصى على مشيئة الله إن اراد له الهداية .. ولكننى كمسلم أؤمن أيضاً بأنه من مقتضى عدل الله ورحمته أن ينال القذافي وأمثاله ، بسبب ما اقترفوه من ظلم وأشاعوه من ضلال ونشروه من فساد في الارض ، ان ينالوا عقابهم وجزاءهم في الدنيا قبل الاخرة ، وأن يبقوا على ضلالهم وغيّهم إلى ان تباغتهم ساعة نهايتهم .. وليس من المصادفة إطلاقاً أن نجد مجرما كالقذافي ما يزال حتى اليوم ، وبعد مضى نحو اربعين عاماً ، مصرّاً على أنه كان وما يزال على حق ، ولم تصدر عنه كلمة واحدة يعترف فيها على الملأ بإرتكابه لأي خطأ او جريمة في حق البلاد والعباد.. ألم يقل الله تعالي في قرأنه الكريم :
 
 قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ( الآية 103-104 سورة الكهف)
 
 ومن يضلل الله فلا هادي له ، ويذرهم في طغيانهم يعمهون  ( سورة الاعراف آية 186)
 
ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ، ألم ترى الى الذين بدّلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار ، جهنم يصلونها وبئس القرار ..  ( سورة ابراهيم ، الآية 27-28)
 
 إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين  ( سورة النمل الآية 37)
 
 قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً  ( سورة مريم ، الآية 75 )
 
 وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ، إن تسمع إلا من يؤمن بأياتنا فهم مسلمون  ( سورة النمل ، الاية 81) ( سورة الروم ، الآية 53)
  
رابع هذه الملاحظات :
 
       لا أحسب أنه يوجد في سيرة أنبياء الله وأولي العزم من رسله ، وبخاصة سيرة قدوتنا خاتم انبيائه ورسله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ما يدلنا على أنهم ظلوا على موقف الوعظ والدعاء بالهداية لمخالفيهم حتى نهاية اعمارهم .. إن هذه السيرة تؤكد لنا أنهم – صلى الله عليهم وسلم جميعاً – تخلوا عند لحظة معينة في تعاملهم مع هؤلاء المخاصمين لهم – وعلى الاقل فئات محدودة منهم – تخلوا عن هذا الموقف الدعوي الوعظي الى موقف إتسم بالحسم وبالمفاصلة أو تركهم وشأنهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم .
 
¨     ألم يورد القرأن الكريم في سورة نوح كيف أن سيدنا نوح رفع يديه بالدعاء الى ربه بألا يذر على الارض من الكافرين دياراً وألا يزد الظالمين إلا تباراً؟
 
¨     أولم يورد القرآن الكريم أيضا في سورة يونس – كما اشرنا سابقاً- كيف ان سيدنا موسى عليه السلام دعى ربه أن يطمس على أموال فرعون وملائه وأن يشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم ؟ وأن الله وعدهم بالاستجابة لدعوته ودعوة اخيه هارون؟
 لقد ردد القرآن الكريم في أكثر من موضع منه أن مهمة الرسول تنحصر في " البلاغ " ولا تتجاوزها الى "هداية الناس " التى هي بيد الخالق وحده سبحانه، وفي اعتقادي أن ذلك هو من أجل أن يعرف الرسل والدعاة الى الله من بعدهم حدود مهمتهم فلا يتجاوزوها ، الامر الذي قد يبدد طاقتهم وجهودهم باللهاث وراء هداية قلب هذا الشخص أو ذاك الى الاسلام، وهو الامر الذي يمنعهم من التخلى عن جانب من جوانب هذ ا الدين أو التنازل عنه أو الترخص فيه من أجل استرضاء ، واستمالة هذا المخلوق او ذاك .
       •      •
    *وفي ختام هذه المقالة - التى طالت دون قصد – أود أن أوجه للدكتور الصلابي نصيحة بحكم الاخوة في الدين بيننا وبحكم ما أكنه له من احترام شديد .. وخلاصة هذه النصيحة أنه مضى على اغتصاب القذافي للسلطة في ليبيا قرابة أربعين سنة ..ومنذ عام 1970 وعلى امتداد هذه السنوات زار ليبيا والتقى بالقذافي خلالها مئات العلماء والدعاة الاجلاء ومن قيادات الاحزاب والحركات والتنظيمات والجماعات الاسلامية في شتى بقاع العالم ، وبإستثناء مجموعات محدودة من هؤلاء الوافدين والزوار الذين لم يكن يهمهم شئ سوى الحصول على بعض المال من خزانة ليبيا لخدمة مشروعاتها أو مصالحها الخاصة في بلادها ، فقد كان غالبية هؤلاء الوافدين والزوار من الذين كانوا يتوسّمون في القذافي شخصيا الخير لليبيـا وللإسلام وللمسلمين ، ومن ثم فلم يبخلوا عليه بالنصيحة ولم يترددوا في وعظه ،  وحتى الصبر علي بعض ما سمعوه منه وعنه من غريب وشاذ الأفكار والتصورات والأعمال والتصرفات وغلّب معظمهم حسن الظن به وأعطوه الفرصة تلو الفرصة أملاً في يستقيم امره وأن يرعوي وأن يتراجع عن أفكاره ومواقفه وممارساته الضالة الفاسدة الجائرة سواء في حق شعبه او في حق الاسلام والمسلمين ، وفي الواقع فإن هؤلاء لم يكونوا وحدهم فقد شاركهم في هذا الموقف من القذافي عدد من العلماء والدعاة الليبيين بل وحتى من بعض اصحاب التوجهات الاسلامية وعلى الاخص من جماعة الأخوان المسلمين في ليبيا.
       ويمكننى القول ، بدون تجن على هؤلاء العلماء والدعاة الاجلاء ، أنه ليس بمقدور واحد منهم الادعاء أنه استطاع أن يقنع القذافي بالتراجع والتخلى عن ضلالة من ضلالاته الفكرية والعقدية او رفع الظلم والعسف والجور الذي مارسه بحق الشعب الليبي على امتداد العقود الاربعة الماضية . بل ويمكننى القول بأن الوقائع تؤكد – بما لا يدع مجالاً للشك – بأن القذافي استطاع أن يستغفل عدداً من هؤلاء العلماء والدعاة وأن يستخدمهم في خدمة مصلحة نظامه  وأن يحصل منهم على " شرعية " لا يستحقها وغير جدير بها على النحو الذي فعله مع " دعاة الحل القومي " و" اصحاب التوجهات اليسارية " في ليبيا وعلى إمتداد العالم العربي .
 
       وإننى شخصيا قد لا ألوم كثيرا من وقع من هؤلاء العلماء والدعاة فريسة لمكر وألاعيب القذافي وبخاصة خلال السنوات الاولي من اغتصابه للسلطة ، غير أننى أعتقد انه لا يوجد عاقل يستطيع أن يفهم او أن يقبل وقوع المزيد من العلماء والدعاة فريسة لهذا المكر وهذه الالاعيب من جديد بعد مرور كل هذه السنوات وما جرى اقترافه خلالها من جرائم وانتهاكات وتجاوزات وبعد أن ظهر للقاصى والداني عن حقيقة القذافي ما ظهر " والعاقل هو من اتعظ بغيره " و" لا يلدغ المؤمن من جحرمرتين "
 


[1] راجع " السيرة النبوية " الجزء الثاني . تأليف د. على محمد الصلابي. مكتبة الصحابة ، الشارقة – الامارات ، الطبعة الثالثة 2003 (ص 1182 – 1183 ).

Posted on Friday, April 25, 2008

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2009 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.