حقيقة ليبيا الغد.. وخارطة التوريث  
العودة إلى المقالات

حقيقة ليبيا الغد.. وخارطة التوريث


بقلم: محمد نورالدين

في الأول من سبتمبر 2009 يكون العقيد القذافي قد قضى أربعين سنة كاملة على قمة السلطة في ليبيا وهو يعتبر الآن أقدم حاكم في العصر الحديث إذ استثنينا من ذلك ملكة بريطانيا، وهو يعتبر أندر حاكم على وجه الارض حيث لا تحكمه قوانين ولا دساتير ولا يرتبط وجوده على الكرسي بزمن محدد ولا تملك أي قوة داخلية أن تحاسبه على أفعاله أو حتى مجرد تراجعه في أقواله وأفعاله، بل وإن أقواله تعتبر قوانين سارية المفعول من اللحظة التي تخرج من بين شفتيه الغليظتين، والأنكى من ذلك أنه يدّعى أنه لا يحكم ولا يملك من الأمر شيئاً وأن كل المظالم والمفاسد والتجاوزات والانتهاكات والجرائم التي حدثت طوال هذه السنين العجاف هي من الشعب وهو المسؤول عنها مسؤولية كاملة، تأمل كلامه في خطابه له بتاريخ 7 أكتوبر 1989 يقول فيه:

"أما بالنسبة لي فلا يمكن باي حال من الاحوال أن أعترف بأني حكمت هذه البلاد في يوم من الأيام إطلاقاً.."[1]
"أنا أعتبر أن هناك فساداً قمتم به، وأنكم الشعب بكامله قد انحرف.."
"وبالتالي لا تحملوني مسؤولية أن حكمت أي يوم في ليبيا.. السنوات الأولى كانت سنوات تأكيد للثورة.."
"وهذا فساد لا أقبله ولا تربطني بكم أي علاقة لا من بعيد ولا من قريب.."
"نحن لا نحكم ولو أننا نحكم لكانت البلاد الآن جنة"[2]

طوال هاته "الأربعون سنة عجافاً" وهو لا يحكم ولو كان يحكم لكانت البلاد جنة والسؤال هنا إذا كان هو لا يحكم فمن الحاكم ؟؟
وهو لا يحير في الإجابة على هذا السواءل فيقول وفي ذات الخطاب:
"إن كان هناك فساد وتخريب فهو منكم أنتم وبينكم وبين المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية التي لست مسؤولاً عنها وإنما انتم المسؤولين عنها"
والسؤال البديهي الذي يتبادر إلى ذهن كل من يسمع هذا الكلام هو من الذي احدث هذا الاختراع العجيب "السلطة الشعبية"؟
بل وإذا ثبت بالدليل القاطع الذي لا يقبل مجالاً للشك أن هذه التجربة الشعبية تجربة فاشلة أدت إلى الفوضى والخراب والإفساد فلماذا لا يتم إلغاؤها والعودة بالبلاد إلى ما كانت عليه قبل انقلاب سبتمبر الأسود وخاصة أن هذه المرحلة الملكية أعطت ثمارها في سنوات قليلة وبامكانيات لا تعادل 1/100 من الإمكانيات المتاحة الآن حيث أن ليبيا تتلقى خزانتها كل صباح يوم "مائة مليون دولار" إيرادات من البترول وحده هذا عدا الغاز والضرائب والجمارك وغيرها من الأموال التي تدخل إلى خزانة لا يعلم "الشعب الحاكم" مكاناً لها ولا يعلم "الشعب الحاكم" أين مفاتيحها؟؟[3]

بعد هذا الزمن الطويل المرير ينتظر الليبيون أن تحدث "معجزة" تخرجهم من المأزق الذي أوقعوا فيه.. بعضهم يحدوه الامل بان يحدث تغييرً شامل وكامل وبعضهم يتعلق بحبال وأوهام اخترعها لهم "العجوز – الداهية" عندما أطلق "اكذوبة" سماها "سيف"...
في أغسطس القادم يرى الليبيون مشهداً أخر من فصول المسرحية الهزلية يؤديها "سيف" في إطار مخطط رسم بدهاء ودقة متناهية لكي تكتمل فصوله بامتلاكه عرش ليبيا إذا ما طرأ أي طارئ مفاجئ لأبيه أيا كان هذا الطارئ (مرض، جنون، موت، غرق، اختطاف.. الخ..)
هذا المخطط الذي أعد منذ سنوات وبدأت ملامحه تطل على الليبيين في الحركات البهلوانية التي قام بها "سيف" إذ خرج على الليبيين بوجه مغاير عما اعتادوا عليه طوال سنوات عمرهم التي عاصروها مع "ابيه".. سنوات كالحة امتلاءت بالظلم والقهر شاع فيها القتل والنهب والسلب وهتك الأعراض والاعتداء على الحرمات، كان أبطالها عتاة المجرمين من القتلة والشواذ واللقطاء لمن سموهم "باللجان الثورية"، الآن أُريدَ اخفاء هذه الوجوه الكالحة ولو لفترة زمنية وإبراز وجوه جديدة من لابسي الكرفاتاتوحاملي الشهادات العليا.. يتحدثون بلغة "العصر" وليس "العصّر".

الحقيقة الجوهرية والتي لا يجب أن تغيب عن ذهن أي "مواطن ليبي" هي أن "الأب" يعشق السلطة عشقاً لا حد له[4] ولا يمكن له أن يتصور نفسه ينزوي في ركن بعيد وغيره يتولى مقاليد الأمور حتى وإن كان "أحب" أبنائه إليه"... هو بالنسبة له السلطة هي حياته ولا يطيق حتى مجرد مشاركة شكلية، هو يؤمن بأن هذا حق أخذه بالقوة ولن يتخلى عنه إلا بالموت.. وبالتالي فإن أي تنفيذ لهذا المخطط الجديد لن يكون في وجود "القذافي – الأب" حيا بل سيكون التنفيذ فور حدوث اي طارئ يؤدي إلى اختفائه من على وجه الارض.

بدأت الترتيبات أولاً من خلال "العائلة" إذ جرى الاتفاق على توزيع السلطات فيما بينهم: سيف يتولى الملف السياسي، المعتصم يتولى الملف الأمني، خميس يتولى الملف العسكري، وباقي الإخوة يتولى كل منهم سلطات تحقق له النفوذ والمال..
تشرف على هذا الاتفاق وتدعمه "والدتهم صفية" التي يساندها في ذلك زوج اختها "عبدالله السنوسي" بروابط قبلية تتقاطع فيها علاقات الأنساب بالمصالح.
سيف يواصل حركاته البهلوانية التي تظهره أمام الليبيين وخاصة الشباب (حيث يشكل عددهم أكثر من 60% من سكان ليبيا) بأنه هو المنقذ لهم من تحكم عتاة اللجان الثورية الذين يمارسون القتل والإرهاب ويسدون منافذ الحياة أمام وجوههم..
سيواصل تقديم عهوده لهم بانه يدعو إلى الانفتاح.. انفتاح اقتصادي من شأنه توفير فرص العمل.. وحياة أفضل.. انفتاح سياسي في فتح نوافذ للتعبير من خلال بعض الصحف والإذاعات والمحطات التلفزيونية.. انفتاح اجتماعي بتشجيع الحياة على النمط الغربي.. إنزال بعض المشاريع الكبيرة التنموية للفت الانتباه.. بأن شيئا ما جديد يجري على أرض ليبيا...

وضمن هذا المخطط يتم ضخ أموال تجعل الليبيين كبيرهم وصغيرهم ينسون ما كانوا فيه. هذا البرنامج سيستمر لمدة قصيرة من الزمن وبعد أن يستقر المقام "بسيف" ويتأكد بأنه أمسك بزمام الأمور.. وصفى كل الوجوه التي تعترض على بنائه او تهدد سلطانه.. هنا يظهر لهم بوجهه الحقيقي.. وهو نسخة طبق الأصل من "وجه أبيه".. سيعود القتل مرة أخرى ولكن بشكل مختلف.. لن تكون هناك مطاردات وتصفيات للمعارضين في الخارج (هذا إذا بقى أحد منهم) ولن تكون هناك مشانق منصوبة في الجامعات وساحات المدن ولن يكون هناك تعذيب بل ولن يكون هناك "بوسليم"، الذي سيكون هو قتل وتصفية دون ضجيج وفي الخفاء وبطرق واساليب حديثة اعتمدتها الدول التي تسمي نفسها "دول عصرية متقدمة".. او ليس هذا عصر الانفتاح.. فليكن انفتاح في كل شيء حتى في طريقة القتل.. ولمن يريد معرفة كيف يتم القتل بالطرق العصرية الحديثة عليه العودة في ذلك إلى تجربة العالم الحديث في هذا المضمار...

المهم عند القادم الجديد أن يتخلص من أعدائه ويديه نظيفتان ولا يعتمد سبيل "والده" فهذا الزمن قد ولى وغبر...
خلال هذه الفترة الزمنية الانتقالية سيتم التصفية برؤوس كبيرة[5] من عناصر اللجان الثورية الذين سيتم تحميلهم مسؤولية ما وقع خلال "سنوات الظلم".. ستطال المشانق رؤوس اعتقدت أنها من سكان الخيمة وان اقدامهم ثابتة وظهورهم محمية.. ولكن ستدور عليه الدائرة ويتساقطون واحداً بعد آخر وهم لا يصدقون ما يجري..
خلال هذه المدة سيضطر بعض من "أولاد العم" إلى الاختفاء والانزواء بعيداً حيث لا مكان لهم مع "القادم الجديد".. وقد بدأ بعض منهم يشعر بما يجري فبدأ في لملمة أطرافه والابتعاد قليلاً قبل أن يطلب منه ذلك بتعلات المرض الخبيث الذي أصابه مثل "سيد قذاف الدم"، والهروب إلى الصحراء، والبافى بحجة أن "العمر" يستدعى ذلك مثل "خليفة احنيش"، وهناك من سيبقى لفترة من الزمن إلى حيث إحلال بديل مناسب له مثل "أحمد قذاف الدم" الذي يمسك بملف العلاقات العربية وبعض الملفات المالية والأمنية الحساسة والخطيرة وخاصة ما له علاقة "بالأب".

أما ما يسمى ببقايا أعضاء مجلس قيادة الثورة فهؤلاء منذ فترة من الزمن تحدد دورهم واقتصر على "دور تشريفاتي" كالذي ظهر في شريط استقبال القذافي عند عودته من إيطاليا حيث بدأ في مقدمة مستقبليه مصطفى الخروبي وأبوبكر يونس جابر وعندما حاول أبوبكر على خلاف مصطفى الذي ابتعد بعد أن حضن رفيقه في الجريمة الكبرى.. حاول أبوبكر الاستمرار في مواصلة سيره خلف "القذافي" وهو يسلم على مستقبليه جذبه أحد الذين يعرفون "اللعبة" من خلف القذافي واشار له بان يبتعد.. (دوره قد أنتهى).
ضف على ذلك أن أبوبكر يونس جابر هذا العجوز المتهالك قام بجولة على كل أنحاء ليبيا التي توجد بها معسكرات وكان يرافقه فيه "خميس" وقام بتقديمه للضباط في تلك المعسكرات على أنه هو المكلف بإدارة الشؤون العسكرية... وأنه ينوبه في كل ما يتعلق بذلك.. وهكذا بدأت صفحة ما يسمون "بالضباط الأحرار" بالانطواء والانزواء إلى دائرة النسيان.. "نسو الله فأنساهم أنفسهم".
ولم يأخذوا العبرة حتى عندما تحدث القذافي عنهم في خطاب له بتاريخ الثالث عشر من يونيو 2003 حيث قال "يعني حتى الناس الذين يعتقدون أنهم ثوريون كانوا مزيفين من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانوا معي، الذين كانوا ضباط أحراراً وأصبحوا خونة إلى اللجان الثورية والثوريين الذين خدعونا ولم يكونوا ثوريين".

وفي سياق مسلسل "التوريث" جرت اتفاقات غير مكتوبة مع ثلاث قبائل كبيرة في الشرق وثلاث قبائل يسكن جزء منها في الغرب وجزء في الجنوب على مساندة ومؤازرة القادم الجديد مقابل أموال دفعت لشيوخ هذه القبائل ولعدد من أفرادها والوعد بأن يكون لهم وضع خاص في النظام الجديد..

وماذا بخصوص المعارضة؟
أما المعارضة في الخارج فسيستمر برنامج الاستقطاب لعدد كبير من قياداتها تحت دعوى "تعالوا معاً نبني الوطن" وستنهال عروض مغرية بتولى مناصب "تنفيذية" تلهيهم عما هم فيه وتدر عليه أرباح مالية ونفوذ اجتماعي...
أما ما سميت بالمعارضة الاسلامية فيبدو ان هناك برنامجاً طال حتى الآن ثلاث تنظيمات منها يؤدي إلى تفكيكها وانتهاء مفعولها كتنظيمات تحت حجة إدماج أفرادها في المجتمع وإعطاء قياداتها وضعاً أبرز (نموذج يقتدى به ما وصل إليه الدكتور الصلابي).


هذا بالنسبة لترتيبات البيت من الداخل وماذا عن الخارج...
نبدأ أولاً بآخر مستجداته حيث قام القذافي بعد عودته من رحلة إيطاليا بزيارة مصر ومقابلة "حسنى مبارك" وكان معه الرئيس الجزائري "بوتفليقة" وحضر اللقاء الثلاثي جمال مبارك وسيف القذافي وتمت تسوية يجرى من خلالها دعم ومساندة كلا الطرفين للآخر ومعهم في ذلك "الجزائر". وبذا فإن السند الإقليمي للقادم الجديد قد تحقق بدعم أهم دولتين في المنطقة المجاورة لليبيا من الغرب بالجزائر ومن الشرق مصر، وهاتان الدولتان لهما مصالح حيوية وحساسة داخل ليبيا وتعتبر بالنسبة لهم حاجز أمني يمنع امتداد الهم الإسلامي من الجزائر إلى مصر. بقي جانب "البحر" فقد أمنه القذافي بزيارته الأخيرة لإيطاليا حيث عقد أهم صفقة في حياته ضمن فيه استمرار "الطليان" بتقديم الدعم والحماية والمساندة "للقادم الجديد" كما كانوا سابقاً خير داعم له وخير من حافظً على وضعه الامني من كل المخططات التي استهدفته سواء من أمام البحر أو من ورائه...

بقي "العم سام" الذي يؤرق[6] "الأب" في منامه ويخشى تقلباته المفاجئة ونكثه للعهود والوعود.. وبالرغم من أنه سوى علاقاته مع إدارة بوش وقدم فروض الطاعة والولاء على كل الوجوه من تسليم ما بيده من خردواته الكيمائية إلى الدفع بمليارات الدولارات لتعويض لضحايا لوكربي إلى الهدايا الشخصية إلى "حبيبته السمراء" كما يحلو له أن يسميها "ليزا" التي بلغت هداياه الشخصية لها الربع مليون دولار.. إلا أنه رغم ذلك لا زال لم يحصل على الضوء الأخضر في تنفيذ مخطط "انتقال السلطة لابنه في حال حدوث طارئ له، والعم سام تركه في حيرة من أمره إذ لم يعط موافقة صريحة ولم يبد اعتراضاً واضحاً كذلك.. وهو أي القذافي يدرك انهم اصحاب القرار الأخير في هذا الموضوع ويخشى انقلابهم عليه، وما انقلاب هندرواس الذي وقع في شهر يونيو من هذا العام عليه بالبعيد.. فتلك هواجس وكوابيس مزعجة بالنسبة له..ولا يوجد لها حل في الأفق القريب ولا البعيد...!

في كل هذه اللعبة فإن الطرف الذي يملك ان يغير مسارها إلى الاتجاه الصحيح[7] هو الشعب الليبي الذي حُجّم دوره خلال الأربعين سنة الماضية وأجبر على ألا يكون لاعبا في مجريات أمور بلاده، بل أصبح  "ملعوبا به". إذا أدرك هذا الطرف أنه سُيدفع به إلى جحيم من نوع آخر وأن اللحظة الحاسمة للفكاك قد حانت.. وليس بعدها فكاك ..  وأن ساعة العمل قد دقت لتخليص البلاد.. وقلب الطاولة على كل اللاعبين.. هنا تتغير الأمور.. وتسير الأحوال إلى مسارها الطبيعي.. أما إذا ما "غفل" هذا الطرف عن ما يدبر "له" وترك اللاعبين "يلعبون" به كما يحلو لهم ولا يأبهون به ولا يحسبون له أي حساب "هنا: وقعت الواقعة.. التي ليس لوقعتها كاذبة.. ونستطيع أن نقول "على ليبيا السلام".. ونردد مع شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوى رحمه الله:
تبقى على خير يا وطني بالسلامة   ورانا ندامه   وياعون من فيك كملهن أيامه
 
والسلام على من اتبع الهدى...
 
محمد نورالدين 



Posted on Friday, August 07, 2009

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.