|
"والناس يقعون أحياناً أسرى الأكاذيب التى اخترعوها بأنفسهم" هيكل
6
آثار تعامل مصر مع نتائج حرب 1956 على حرب يونيو
في معرض حديثه عن أسباب هزيمة يونيو 1967 تحسّر السيد هيكل على أمرين:
أولهما: عدم وجود العرب "في مكانهم" من المعركة، فقال:
"لا العرب موجودين، القوى العربية كلها مش موجودة في مكانها، لا السعودية في مكانها ولا الأردن في مكانها ولا سوريا في مكانها"
وثانيهما: أن الموقف الأمريكي لم يعد كما كان أيام العدوان الثلاثي عام 1956.
حقيقة الأمر أن تعامل القيادة المصرية مع نتائج حرب 1956 قد قاد إلى تبدل الموقف الأمريكي. كما أن هذا التعامل قد أدى بالقيادة المصرية إلى اتباع سياسات مع الدول العربية كان من نتائجها حالة التشتت العربي عشية حرب يونيو 1967، والتي أدت إلى فشل مصر –بصفتها دولة المواجهة الرئيسية- في إقامة علاقات عمل مع الأشقاء خاصة مع دول الطوق الإسرائيلي.
وحتى لا تكون إشارات السيد هيكل إلى الغياب العربي وتبدل الموقف الأمريكي غامضة الدلالة كما أرادها، فمن الضروري الإشارة بصورة موجزة إلى حال العلاقات العربية قبل الحرب، وإلى المناخات والأجواء التي كانت تهيمن على هذه العلاقات، والمقدمات التي قادت إلى هذه الأجواء. كما سنشير بصورة موجزة إلى بعض أسباب التبدل في الموقف الأمريكي عام 1967 المغاير لموقفها عام 1956. وسنجد أن تعامل القيادة المصرية مع نتائج حرب 1956 كان في الواقع نقطة البداية لسياسة مصرية في المجالين العربي والدولي استمرت حتى كانت هزيمة يونيو.
بعد مرور أكثر من أربعين سنة على حرب حزيران، وباستقراء المعلومات التي تراكمت عن حقائق ما جرى قبيل الحرب وأثناءها وبعدها، يتضح جليا مقدار العشوائية والارتجالية التي اتخذت بها القيادة المصرية قراراتها "المصيرية" والتي زجت بالعالم العربي كله في معركة لم يكن مستعدا لها، فضلا عن أن مصر نفسها لم تكن مستعدة لهذه المعركة.
القرارات والعلاقات المصرية العربية كانت مرهونة ولسنوات طوال بمزاج الرئيس عبد الناصر وكانت مرتكزة على تعزيز مكانة "الرئيس الملهم" في داخل مصر وعلى طول العالم العربي، وتمكين قبضته على الشارع العربي ليوجهه ويستخدمه –وبكل براعة- سوطا يلهب به ظهور الحكومات العربية من جهة وليحشد هذا الشارع خلف شعارات رنانة عجز النظام الناصري نفسه عن تطبيقها في مصر.
هكذا وجدت الشعارات الجوفاء الرنانة مكانا بارزا ليس فقط في الإعلام المصري ولكن أيضا في العلاقات المصرية- العربية. وباتت التصنيفات تطلق على الدول العربية ليس فقط على أساس معايير انسياقها للإرادة السياسية الناصرية، ولكن أيضا بغرض جعل حركة الشعوب العربية تدور دائما في الفلك الناصري. تم ترسيخ ذلك كله من خلال إعلام تفوق حتى على نفسه في بث الإشاعات والأكاذيب والبرامج النارية التي تلعب بالعواطف وتلهب المشاعر. وهكذا باتت هذه الشعارات والتصنيفات تشكل مرجعية في مفردات ومصطلحات الحركة السياسية العربية.
كان لا بد لتحقيق هذا الهدف من إحاطة الرئيس جمال عبدالناصر بهالات من الصفات التي تتفوق على صفات البشر من حيث الخطأ والصواب. وهكذا تم تجاوز ما عند عبدالناصر –فعلا- من صفات قيادية وشخصية "كارزمية"، إلى تكوين صورة الزعيم "الملهم" الذي لا يخطيء، وإن أخطأ فبفعل الصهيونية والاستعمار، علاوة على تكوين صورة الزعيم الذي يقود الأمة العربية ولا يحول بينه وبين تحقيق أمجادها إلا الرجعية العربية، متمثلة في الدول العربية التي لا تنصاع ولا تنقاد للزعيم. ولقد شكلت تداعيات ونتائج العدوان الثلاثي عام 1956 مرتكزا هاما ونقطة انطلاق قوية لتعزيز وفرض زعامة عبدالناصر ولدمغ من يخالفه بتهم العمالة والخيانة والرجعية.
قبل حرب يونيو كان العالم العربي يعيش في إطار جملة من الأوهام اختلقها الإعلام الناصري ورددها حتى أصبحت ضربا من المعطيات التي لا يجرؤ أحد حتى على محاولة وضعها تحت محك الاختبار ناهيك عن محاولة تفنيدها. لقد كان المواطن العربي واقعا تحت تأثير نتاج عمل دؤوب لنظام سياسي امتلك أجهزة دعائية طاغية أخضع فيها العالم العربي لسنوات من الدعاية المركزة التي استخدمت كل شيء .. المشاعر والقضايا والأكاذيب والإشاعة والحرب النفسية[1].
خلال أكثر من عقد من السنين عاش المواطن العربي البسيط في ظل كذبة كبيرة عن انتصار تحقق في معركة السويس 1956(العدوان الثلاثي). في حين أن حرب 56 كانت قد أفرزت جملة من النتائج كان من أهمها تمكين إسرائيل من تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية تمثلت في:
1) التزام مصر بضمان حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة، الأمر الذي جعل من ميناء "إيلات"[2] منفذا لإسرائيل على البحر الأحمر، مما أتاح لإسرائيل فرص تطوير التجارة بينها وبين دول آسيا وإفريقيا، وعلى وجه الخصوص مكنها من إقامة علاقات نافذة مع عدد من الدول الإفريقية، واستيراد النفط الإيراني، وتجاوز الحظر المفروض على مرور وارداتها وصادراتها عبر قناة السويس.
2) مرابطة قوات طوارئ دولية على امتداد الحدود المصرية الإسرائيلية، الأمر الذي شكل حماية للحدود مع مصر، مما خفف أعباء إسرائيل الناجمة عن مرابطة قوات كبيرة على هذه الحدود، ومكنها من التركيز على غيرها من الجبهات، إضافة إلى تخفيف الالتزامات المالية والبشرية.
3) أصبحت سيناء منطقة منزوعة من السلاح، وبموجب الاتفاق الذي أعقب حرب 56 فلم يكن في إمكان القوات المسلحة المصرية الدخول إلى سيناء. وقد رأينا الأثر السلبي بالغ الخطورة لهذه المسألة على الحشد المصري في عام 1967.
هذا كله لم يكن معروفا للشارع العربي[3] فقد صور الإعلام الناصري أن حرب 56 انتهت باندحار أطراف العدوان. ترجع أسباب هذا الاندحار –حسب ما كنا نسمعه من ذلك الإعلام- إلى عاملين: المقاومة المصرية من ناحية وما كان يطلق عليه "الإنذار الروسي" من ناحية أخرى.
وللتاريخ والحقيقة، فقد كانت المقاومة الشعبية الباسلة في مدن القناة –وخاصة في بورسعيد- حقيقة ينبغي الإشادة بها، خاصة وأنها كانت في مواجهة جيوش كل من بريطانيا وفرنسا، وأن هذه المقاومة أخرت –على الأقل- سيطرة القوات الغازية على منطقة القناة وكبدتها شيئا من الخسائر لا يستهان بها.
كما أن قرار سحب القوات المصرية من سيناء لتجنب وقوعها بين كماشة القوات الإسرائيلية في سيناء والقوات الفرنسية والبريطانية في منطقة القناة، وتفادي تعريض القوات المسلحة لتدمير شامل، كان القرار في حد ذاته قرارا ضروريا تمليه اعتبارات استراتيجية وتعبوية، لكن تنفيذ القرار كان مأساويا بكل ما تعنيه الكلمة، فلم يكن للجيش المصري آنذاك خطط بديلة، ولم تكن هناك خطة للانسحاب، ولذلك تحول الانسحاب إلى عملية عشوائية فوضوية استثمرتها القوات الإسرائيلية وحولتها إلى مطاردة تكبدت القوات المصرية خلالها خسائر فادحة. هو .... هو نفس الخطأ الذي ارتكبته القيادات المصرية في يونيو 1967: دخول معركة دون وجود خطط بديلة، وتنفيذ انسحاب بطريقة عشوائية تحول إلى تقهقر كامل مكن القوات الإسرائيلية من مطاردة القوات المصرية وتكبيدها خسائر جسيمة وفادحة.
لكن القول بأن "الإنذار السوفيتي" الذي ذاع صيته في الشارع العربي باسم الإنذار الروسي، كان هو السبب في إجبار القوات الغازية على الانسحاب، هو قول تنقصه الدقة إن لم نقل بأنه يفتقر إلى الصدق. لكن الإعلام المصري هلل لهذا الإنذار (الذي لم تكتمل أركانه، ولم يتجاوز التهديد الفارغ)، واستمر التطبيل لهذا الإنذار إلى ما بعد حرب يونيو. وفي نفس الوقت تجاهل الإعلام المصري بالكامل موقف إدارة الرئيس آيزنهاور سواء في الأمم المتحدة أو في مواقفها العامة من الحرب وضد حلفائها، وهو الموقف الذي يعزى إليه فشل العدوان الثلاثي واضطرار بريطانيا وفرنسا إلى الانسحاب من مدن القناة، ثم التوصل إلى ترتيبات لانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء[4].
هذا التهليل للإنذار السوفيتي والتجاهل لموقف الإدارة الأمريكية لم يقتصر على الإعلام المصري فقط وإنما نجده في السياسات التي اتبعتها مصر، وتم ترسيخه حتى في تعاملات ومواقف بعض الدول العربية الأخرى[5]، وانعكست هذه السياسات على العلاقات العربية الأمريكية سلبا. من نتائج هذه الانعكاسات السلبية إتاحة مزيد من الفرص أمام أجهزة الضغط الإسرائيلية في أمريكا، وتحجيم دور أصدقاء العرب في الإدارات الأمريكية، وحدوث تبدل جوهري في سياسات ومواقف أمريكا تجاه العرب وإسرائيل. كما أن هذه السياسات وما تبعها من حملات إعلامية ضد أمريكا حالت دون إمكانية توافر سياسة الأدوار التكاملية لعلاقات الدول العربية مع القطبين.
الأوهام والمزاعم بانتصار السويس أوجد حالة في مجريات التعاطي السياسي المصري ترفض التوقف لمواجهة المعطيات الحقيقية التي أفرزتها تلك الحرب، والاستفادة من دروسها، وتدارك الأخطاء المرتكبة، واستكمال النواقص بغية الاستعداد لجولة أخرى من الصراع مع عدو يضع شعاره "من النيل إلى الفرات أرض إسرائيل". أوهام ومزاعم الانتصار أفرزت حالة من الزهو والاستعلاء والديماغوجية في التعاطي مع الدول العربية المختلفة، وغدى هدف السياسات المصرية إخضاع الدول العربية للرؤى والأهداف التي تختطها القيادة الناصرية. ولهذا كان حرص القيادة المصرية على تضخيم مزاعم الانتصار لتعزيز مكانة عبدالناصر العربية. ولهذا أيضا كان حرص القيادة والإعلام المصريين على تجاهل نتائج حرب 1956، وهي نتائج خارجة عن قدرات وإرادة مصر، ويمكن تفهمها، وكان يمكن معالجتها وتقليل سلبياتها بإبقائها تحت المجهر بدلا من العمل على إخفائها.
ولقد كانت السيادة المنقوصة على سيناء وحرية مرور إسرائيل في مضائق تيران وتمركز القوات الدولية في مواقع مختلفة من سيناء، كانت مجهولة على نطاق واسع خاصة بالنسبة للشارع العربي، وإن جرى استخدامها–في أوقات متفرقة- من بعض الدول العربية كمادة إعلامية في الرد على المهاترات والحملات الإعلامية المصرية وبغية إحراج القيادة المصرية، لكن ذلك كان يضيع مع ضجيج الحملات المصرية المركزة. وفي الواقع فإن الحديث عن مجريات حرب 1956 بموضوعية تؤدي إلى إبراز النتائج والاستفادة منها كان يقابل إما بالإنكار والتكذيب أو بإلقاء التبعات على المؤامرة الاستعمارية الكبرى. هذا مع العلم بأن تلك الحرب لم يكن للنظام الناصري أي يد في إشعالها، وكانت معركة فرضت حقيقة على مصر، أي أنه ليس هناك أي معرة من الحديث الموضوعي عن تلك الحرب وعن نتائجها خاصة أن ثلاث دول قد خاضتها ضد مصر. لكن النظام الناصري كان يرغب في تسجيل انتصار خال من أية شوائب في مضمار سعيه الدائم للتفرد بالزعامة العربية. وهكذا ضاعت فرص كثيرة لاستيعاب الدروس أولا، وللعمل الهادي الجاد لاستعادة ما فقد ثانيا، ولتعديل المسار الديموغاجي الذي اختطه قادة الثورة المصرية لأنفسهم ثالثا.
وخلال سنوات طويلة صدقنا ما كان يبثه الإعلام الناصري عن القوات المصرية على أنها "أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط"، وأنها قادرة على طرق أبواب تل أبيب في ساعات معدودة، وتابعنا الدعاية المركزة حول الأسلحة التي تمتلكها القوات المصرية بما فيها طائرات الميغ الروسية وصواريخ الظافر والقاهر والمدفعية الصاروخية والضفادع البشرية والصاعقة وغيرها، بل واستمعنا ثم صفقنا لعبد الناصر وهو يهدد بقذف إسرائيل في البحر.
وتحت شعارات القومية والوحدة العربية والقضايا المشتركة والمصير الواحد سوغت القيادة الناصرية لنفسها حرية التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وأخضعت الحكومات العربية إلى حملات متتالية استخدمت فيها كل الأساليب القذرة والعبارات النابية التي تخجل من ترديدها المجالس والمنتديات، كما استخدمت جهارا وسرا الدعوة للانقلابات العسكرية والمساعدة عليها، وكانت النتيجة انعدام الثقة بين الدول العربية وارتفاع وتيرة الحزازات وانعدام فرص وإمكانات اللقاء والتفاهم والتعاون، ناهيك عن القدرة على التخطيط المشترك لعملية هي بخطورة الحرب، وحول قضية هي بأهمية فلسطين، وأمام عدو هو بخبث إسرائيل.
قبيل حرب يونيو 1967 كانت مصر تخوض صراعا داميا في اليمن، وكانت غالبية القوات المصرية مستنزفة في ذلك الصراع، ناهيك عما أحدثه التدخل المصري من فساد للعلاقات المصرية السعودية وصلت إلى درجة الصدام والمواجهة على أراضي اليمن، كما بلغت درجة الحملات الإعلامية التي كان تبث من صوت العرب والقاهرة والتي كانت تحفل بها الصحف المصرية ضد السعودية درجة كانت تنسف كل الجسور ولا تبقي مجالا للتفاهم.
وقبيل اندلاع القتال في يونيو كانت العلاقات المصرية الأردنية تواجه أزمات متتالية، من دعم محاولات متعددة للانقلاب على الملك حسين، ومن حملات أجهزة الإعلام المصرية وتهجمات الرئيس عبد الناصر في خطبه على الملك حسين بصورة مكشوفة ومقززة، كانت خطب الرئيس مليئة بوصف الملك حسين بالعمالة والرجعية والخيانة، بل إنه وصفه في إحدى خطبه بأنه (عاهر الأردن)، ووصفه في خطاب آخر بأنه (سليل الخيانة)، وكانت الإذاعات المصرية تتفنن في توجيه الإهانات الشخصية للملك حسين، بما في ذلك مصطلح (ابن زين). هذا التعريض والمصطلحات لا تليق لأن تكون لغة التخاطب بين قادة الدول عموما، وعلى الأخص بين قادة الدول العربية، مما جعل الأجواء ملبدة استحال معها التخطيط والتعاون المشترك في وقت مبكر وكافي، وجاء الاتفاق الذي سبق اندلاع المعارك بين الأردن ومصر بمبادرة من الملك حسين، وكان اتفاقا مرتجلا لم يكن له أي نتيجة على الإطلاق على أرض المعركة سوى جر الأردن إلى كارثة -قد كان في الإمكان تفاديها- ضاعت فيها الضفة الغربية.
من النادر أن تجد دولة عربية واحدة لم ينشب بينها وبين مصر حالة من التوتر والتشنج. عرفت الجزائر أيام حكم الرئيس أحمد بن بيلا سطوة المخابرات المصرية بقيادة فتحي الديب الذي عمل على التدخل في كل شيء مما ترك مرارة في نفوس الجزائريين وكانت هذه الممارسات إحدى أسباب انقلاب بومدين[6]،
وعرفت المغرب مشاركة القوات المصرية في نزاع مسلح مرير دار بينها وبين الجزائر[7]، علاوة على علاقات متوترة بين مصر والمغرب،
وعرفت تونس حملات إعلامية مصرية موجهة ضد الحكم وضد بورقيبة على وجه الخصوص خاصة عندما عبر عن آرائه بخصوص القضية الفلسطينية[8] كان يحلو لعبد الناصر أن يسمي بورقيبه في خطبه "الخواجا بورقيبه" ،
ولم تخل العلاقات المصرية السودانية من توترات أدت بداية إلى إصرار السودان على الاستقلال، وكانت مصر الناصرية تمارس سياسة التعالي على السودان،
وعرفت سوريا الإقبال والوحدة مع مصر ثم الانفصال والقطيعة ثم أصبحت العلاقة تفتقر إلى الثقة بسبب خلافات "أيديولوجية"،
وعرف العراق أيام نوري السعيد وأيام عبد الكريم قاسم علاقات متوترة بصورة مزمنة،
أما السعوية: فمن تحالف في مواجهة حلف بغداد، إلى صدام حول الحلف الإسلامي، إلى نزاع مسلح فوق أراضي اليمن، وفي كل المراحل كانت المناوشات الكلامية والألفاظ النابية لغة مستخدمة ضد السعودية،
أما فيما يتعلق بليبيا فالقائمة طويلة، تشتمل على التحريض على قلب نظام الحكم، وتورط السفارة المصرية في توزيع أسلحة في بنغازي وطرابلس عام 1956، وحرق آبار البترول عام 1965، وحملات تحريضية مستمرة من صوت العرب ومن الصحف المصرية،،، وغير ذلك كثير ويتطلب وقفات خاصة.
وخلال سنوات طويلة انشغلت القيادة المصرية بالتحريض –العلني والسري- على الانقلابات العسكرية في مختلف البلاد العربية، وشغلت الدول العربية بهاجس الانقلابات وما يترتب عنه من ضرورات تأمين الأوضاع واستقرارها. وأججت القيادة المصرية مدعومة بإعلامها وبعملائها حملات ومهاترات إعلامية أوصلت العلاقات بين "الأشقاء" إلى توجس وقلق وقطيعة.
في هذه الأجواء المحمومة اتخذت القيادة المصرية قراراتها بمعزل عن التشاور مع أية دولة عربية، وأسست قراراتها على "معلومات سوفيتية بتحشدات إسرائيلية على الحدود مع سوريا[9] ، وارتكبت أخطاء قاتلة ظنا منها أن المسألة لن تتعدى بهرجة إعلامية تنتهي بطريقة ما، فكان الطلب بسحب القوات الدولية بتوقع أن تتم ممانعة من الأمم المتحدة تأسيسا على أن هذه القوات تتمركز بناء على قرار من مجلس الأمن، لكن الممانعة لم تحدث حيث قام "أوثانت" السكرتير العام للأمم المتحدة باتخاذ قرار "مشبوه" بالاستجابة للطلب المصري بصورة عاجلة بدون الرجوع إلى مجلس الأمن، وشرع في تنفيذ القرار خلال 48 ساعة، وقد حاولت القيادة المصرية تدارك الأمر بالطلب بأن تسحب القوات من بعض المواقع وتبقى في مواقع أخرى، الأمر الذي رفضه أوثانت بحجة أن ذلك يعرض القوات الدولية للخطر. ثم جاء القرار الثاني بإغلاق مضائق تيران، وهو قرار لم يكن في قدرة مصر آنذاك تنفيذه، لكنه مبرر آخر أُعطي لإسرائيل لشن الحرب، فكانت إسرائيل تدعي أن المضائق أغلقت في وجه ملاحتها. لقد كان سحب القوات الدولية وإغلاق المضائق إجراءين مخالفين لقرارات مجلس الأمن وكانا يعنيان صراحة أنهما إعلان للحرب. فهل كان عبد الناصر يدرك ذلك؟ وهل كان مستعدا لهذه الحرب؟ وهل استشار أي زعيم عربي بخصوص هذه القرارات؟ بل إن الدلائل رشحت آنذاك أنه اتخذ تلك القرارات رغم معارضة من بعض أركان حكمه من بينهم رئيس الوزراء صدقي سليمان. لكنها قراراته هو فرضها على الساحة العربية ثم طلب من الدول العربية أن تسانده في هذه القرارات. بعدها جاء القرار الخاطئ الآخر وهو قرار عدم توجيه الضربة الأولى[10] ، بل وأسوأ من ذلك الإعلان عن هذا القرار –بكل غباء أو عن قصد- في مقالة محمد حسنين هيكل الأسبوعية "بصراحة". أما إسرائيل فكانت مستعدة للحرب، بل إنها كانت تبحث عن غطاء ومشجب تعلق عليهما قرار الحرب[11]. وجاءها ذلك على طبق من ذهب.
كان من سياسات عبد الناصر المشهورة تصنيف الدول العربية، تصنيفات كانت أجهزة إعلامه تغرق في تكرارها، وكان الشارع العربي –في عمومه- يصدقها. هكذا صدقنا أن هناك دول عربية رجعية وأخرى تقدمية، وكانت ليبيا تصنف ضمن الخندق الرجعي، ولم يسأل أحد منا يومها على أي أساس يتم هذا التصنيف؟ ومن يحق له تصنيف من؟.
صدقنا أن مصر تحت الحكم الناصري تقود الصف التقدمي وتحيا في بحبوحة الحريات، وأن هذا الحكم قد جاء ليرفع شعار "ارفع رأسك يا أخي" ولم نصدق أن هذا الشعار رفع كي لا يطبق، وطبق بدلا منه شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". واستخدم هذا الشعار .. واستخدمت المعركة –التي لم تحن بعد- لتكميم الأفواه والإلقاء بالأحرار خلف قضبان السجون لتحقيق أغراض ليس للمعركة نصيب فيها، وحين جاءت المعركة كانت باختيار العدو توقيتا واستراتيجية وتكتيكا، واتضح أن القيادة الناصرية لم تستعد للمعركة ولكنها كانت تظن أنها ستخوض جولة إعلامية ودعائية أخرى تخرج بعدها منتصرة في العواصم العربية، ولكنها –بكل غباء- وفرت للعدو أرضية المعركة التي كان مستعدا لها وزودته بغطائها ومبرراتها وأعطته الفرصة الذهبية كي يستخدم قداحته لإشعال الحريق. يومها لم يعل أي صوت سوى صوت العدو وهو يعربد في السماء العربية وفوق سيناء والضفة والجولان، ولم تنته المعارك حتى كانت إسرائيل قد حطمت جيوش دول عربية ثلاث، وقتلت وجرحت وأسرت عشرات الألوف، ومرغت الكبرياء العربية في وحل ذل هزيمة غير مسبوقة، ثم رفعت شعارها "من جبل الشيخ إلى شرم الشيخ ... ومن القنطرة إلى القنيطرة". وللأسف كان الشعار حقيقة على الأرض ولم يكن كغيره من الشعارات الرنانة التي أغرقت آذاننا عن أن تسمع ما عداها.
تلك هي الأجواء والمناخات التي كانت مهيمنة على العلاقات المصرية-العربية، والتي حالت دون توفر الجدية والثقة والاحترام المتبادل، الركائز الأساس لأية علاقات بناءة تقود إلى عمل وجهد مشتركين. وهذا ما تحسر عليه هيكل في حديثه، حسرة بعد فوات الأوان:
"لا العرب موجودين، القوى العربية كلها مش موجودة في مكانها، لا السعودية في مكانها ولا الأردن في مكانها ولا سوريا في مكانها"
ولسنا في حاجة إلى أن نقرر من كان السبب في نشوء هذه المناخات والأجواء المحتقنة. ومع هذا فلا بد أن نقول بأنه بالرغم من كل ذلك، بالرغم من مهاترات الحكم والإعلام الناصري ومؤامراته على الدول والزعماء العرب، بالرغم من عدم التشاور معهم في اتخاذ القرارات التي قادت إلى الحرب، بالرغم من ذلك فقد عض العرب على جراحهم وحاولوا القيام بما يمكن القيام به في فترة زمنية ضيقة –أقل من شهر- لا يمكنها أن تسد خلل سنوات طويلة من إهمال العمل المشترك وإخضاعه للأهواء والشعارات الخاوية. العرب لم يكونوا في مكانهم –الصحيح- قبل المعركة .. نعم .. ولكن –بنفس المستوى- فإن مصر نفسها لم تكن في موقعها الصحيح قبل المعركة، بل يمكن القول بأنها وضعت نفسها –ومعها العرب- بالضبط في الموقع الذي يريده العدو. ومع هذا كله حاولت الدول العربية جهدها ولكن في الوقت بعد الضائع، ولم يكن في الإمكان استيعاب أي جهد مشترك لا من ناحية التدابير ولا من ناحية عنصر الوقت اللازم لتبلور هذا الجهد. ولهذا جاءت هذه الجهود ارتجالية ولم تفد، بل أضرت. فمن يلام على هذا؟
يدعونا العدل إلى القول بأنه بالرغم من تلك المناخات التي فرضتها السياسة الناصرية على العلاقات العربية-العربية، فإن الدول العربية تنادت إلى قمة الخرطوم لتتحمل نصيبها ولتساند أشقاءها. في تلك القمة، برز الدور الهام للدول التي كان الإعلام الناصري يصنفها بالرجعية، وعلى رأسها ليبيا التي مثلها في تلك القمة ولي العهد الأمير الحسن الرضا السنوسي. إنها ليبيا التي تعمد عبدالناصر وهيكل تجاهل دورها و وغيَّبا ذكرها في خطاب التنحي، وهي ليبيا التي ما زال السيد هيكل يردد اتهاماته بأن أراضيها قد استخدمت في العدوان على مصر.
وللحديث بقية إن شاء الله
إبراهيم عبد العزيز صهد
[1] في برنامج شاهد عل العصر الذي يذاع من قناة الجزيرة، تطرق الفريق سعد الدين الشاذلي الرئيس الأسبق لهيئة أركان القوات المسلحة المصرية إبان حرب أكتوبر 1973، تطرق إلى الإعلام المصري أثناء فترة حرب يونيو وما سبقها ووصفه بأنه إعلام موجه يمارس (غسيل مخ) للقيادات المسلحة وللشعب المصري، وأن هذا الإعلام لا يسمح بوجهات النظر الأخرى. وأقول للأسف الشديد بأن عمليات غسيل المخ قد طالت قطاعات كبيرة من الشعوب العربية، خاصة في ليبيا.
[2] كانت إيلات في الأصل قرية مصرية اسمها "أم الرشراش"، احتلتها إسرائيل بعد ستة أشهر من هدنة عام 1948، والغريب في الأمر أن قضية هذه المدينة لم تثر لا أثناء الحكم الناصري ولا بعدئذـ. وقد توقفت المطالبة المصرية أثناء اتفاقيات السلام بمدينة "طابا" التي استعادتها بقرار من محكمة العدل الدولية. يبقى السؤال قائما لماذا لم تطالب مصر ولو مرة واحدة بإعمال اتفاقية الهدنة وإعادة هذه المدينة إلى السيادة المصرية، بل لماذا لم تستثمر مصر أجواء حرب 1956 والاتفاقيات التي أعقبتها لوضع موضوع هذه المدينة على جدول التسوية. هذه تساؤلات تصل إلى درجة اتهام حكم عبدالناصر بالتفريط والإهمال.
[3] حتى في الجيش الليبي لم نكن نعلم على وجه اليقين بنتائج حرب 56، وكانت الدعاية الناصرية قد أخفت هذه النتائج تحت ضجيج انتصار مزعوم، وأذكر أنني عندما كنت أدرس في الولايات المتحدة الأمريكية -عندما كنت ضابطا في الجيش عام 1965- وخلال مادة "الاستراتيجية والتعبئة" كنا ندرس نتائج الحروب مقارنة بالأهداف التي شنت من أجلها والعوامل التي تؤدي إلى اختلاف النتائج عن الأهداف ، وكان أستاذ الاستراتيجية ضابط برتبة مقدم، وقدم أمثلة لذلك بالحربين العالميتين ثم بالحرب الكورية وحرب السويس 1956، وقد أشار بإسهاب كيف تغايرت النتائج بين الحلفاء الثلاثة (بريطانيا وإسرائيل وفرنسا) فكانت النتائج سلبية لكل من بريطانيا وفرنسا وأدت إلى سقوط الحكومتين، بينما كانت النتائج إيجابية بالنسبة لإسرائيل بدرجة لم تكن تحلم بها إسرائيل نفسها، وذكر فيما ذكر نزع السلاح من سيناء وقوات المراقبة الدولية وحرية الملاحة في تيران وذكر أمورا أخرى. وأبرز الأستاذ العامل السياسي الدولي الذي أدى إلى تحقيق هذه النتائج، فقد ساومت إسرائيل بالانسحاب من سيناء لقاء تحقق هذه المكاسب، كذلك أبرز دور الرئيس أيزنهاور في إرغام دولتين حليفتين (بريطانيا وفرنسا) على سحب قواتهما من منطقة القناة. أذكر أنني سألت الأستاذ عدة أسئلة حملت لهجة التشكيك فيما يقول، وذكرت "الإنذار الروسي" كسبب متداول في المنطقة العربية من أسباب انتهاء الحرب، فوعدني الأستاذ بمزيد من التوضيحات خارج الحصص الرسمية. وقد استغليت حصة الرياضة لأذهب إلى مكتبه حيث أطلعني على بعض الملفات في المكتبة وأشار إلى بنود الاتفاقية التي انسحبت بموجبها إسرائيل وأسست لتمركز القوات الدولية في سيناء الخالية من السلاح وكذلك تعهد مصر بضمان حرية الملاحة في تيران. كما أطلعني على بنود قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بالخصوص، ودور وتصويت المندوب الأمريكي إلى صالحها، وأنهى حديثه بقوله بأنه لولا الموقف الأمريكي لكانت النتائج مغايرة ولما كان انسحاب الدول الثلاثة لأن يتم، وقال لي كلمة لا زلت أذكرها "تلك كانت آخر مرة وقفنا فيها إلى جانب ناصر ولكنه لم يقدرها". وللعلم فقد فاجأني توفر مثل هذه المعلومات والملفات في جناح الاستراتيجية في "مدرسة المخابرة"، التي تقدم مثل هذه الدروس على هامش دورات المخابرة، وقلت في نفسي يومها ترى ماذا يتوفر لديهم في "ويست بوينت" أو في "كلية الحرب" من معلومات وملفات. وهل هذه المعلومات كانت متوافرة في أي من الكليات العسكرية أو كليات الأركان في الدول العربية؟ لكن السؤال الذي يطرح نفسه حقيقة لِم تعمدت القيادة المصرية والإعلام المصري تجاهل موقف أمريكا من حرب السويس وبخسها دورها في إجبار بريطانيا وفرنسا ثم إسرائيل على الانسحاب؟ هذا رغم أهمية هذا الدور وكونه دوراً حاسما؟ ولِم قامت القيادة المصرية بتضخيم ما عُرف آنذاك بالإنذار الروسي الذي لم يتبلور حقيقة ولم يكن حاسما؟ من نتائج هذا الموقف استياء أمريكي تبلور في مواقف أكثر تأييدا لإسرائيل.
[4] كان مما قامت به إدارة آبزنهاورما يلي:
1) المطالبة بسرعة عقد مجلس الأمن، لبحث توغل القوات المسلحة الإسرائيلية في الأراضي المصرية.(29 أكتوبر)
2) ) أبلغ مساعد وزير الخارجية الأمريكية السفير الإسرائيلي في واشنطن (أبا إيبان) أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى أن إسرائيل مدانة في هذه المرة بالعدوان الصارخ، كما هدد الرئيس "أيزنهاور" إسرائيل بقطع المعونات الأمريكية عنها ما لم تلتزم بأحكام قرار الانسحاب.
3) تقدمت أمريكا بتاريخ 30 أكتوبر بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط الهدنة، وانسحاب القوات البريطانية والفرنسية من منطقة القناة. وسقط مشروع القرار الأمريكي بسبب استخدام كل من فرنسا وبريطانيا للنقض (الفيتو)، ومما جاء في مشروع القرار الأمريكي: (أ-طالب مصر وإسرائيل بوقف إطلاق النار، ب- سحب القوات الإسرائيلية خلف خطوط الهدنة والحدود الدولية، جـ- ناشد أعضاء المجلس بأن تمتنع حكوماتهم عن تقديم المساعدات لإسرائيل، سواء عسكريا أو اقتصاديا، طالما أصرت على عدم تنفيذ هذا القرار. ولأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة، يسقط اقتراح للولايات المتحدة الأمريكية بالفيتو من حليفتيها بريطانيا وفرنسا.
4) ولتجاوز الفيتو البريطاني والفرنسي دعت أمريكا إلى عقد دورة طارئة للجمعية العامة، وتقدمت بمشروع القرار الرقم (3256/أ) الذي يدعو إلى: أ- دعوة كافة الأطراف إلى وقف الأعمال العدوانية، ب- والالتزام فوراً بوقف إطلاق النار، جـ - الانسحاب العاجل للقوات الإسرائيلية إلى ما وراء خطوط الهدنة الأصلية. وصدر القرار بأغلبية ساحقة 46 صوتاً ضد 5 أصوات، هي"إسرائيل، أستراليا، فرنسا، بريطانيا، نيوزيلندا.
5) هذا بالإضافة إلى الضغوط التي مارستها تجاه كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لتنفيذ القرار.
[5] في كتابه " صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي" يروي السيد مصطفى بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق ما حدث أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي المنعقد في بيروت في نوفمبر 1956 أي بعد انتهاء العدوان الثلاثي، حين قام السيد مصطفى بن حليم الذي كان يرأس الوفد الليبي في تلك القمة، قام بتقديم اقتراح يقضي بأن ترسل القمة رسالة شكر وتقدير للرئيس آيزنهاور "على مواقف إدارته من الحرب وإصراره على وقف العوان الثلاثي وانسحاب القوات الغازية من منطقة القناة" وشرح السيد بن حليم هدفه من هذا الاقتراح "إقامة جسر قوي من التفاهم بين الدول العربية وواشنطن ............ وتقليل التأثر بالضغوط الصهيونية" وما إن انتهى من اقتراحه حتى انبرى له الرئيس شكري القوتلي رافضا الاقتراح قائلا بأن "الذي يستحق الشكر والثناء إنما هو الماريشال بولجانين رئيس الاتحاد السوفيتي" . هذا يؤكد ما ذهبنا إليه من تضخيم دور الموقف السوفيتي رغم ضآلته وإهمال وطمس الدور الأمريكي رغم أهميته.
[6] حدثني السيد "رابح مشحود" الذي كان يشغل منصب السكرتير الأول بالسفارة الجزائرية في الأردن عام 1970، وقد كان يعمل في مكتب الرئيس أحمد بن بيلا، حدثني عن الأسلوب الذي كان النظام الناصري يتبعه في التدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، وكان يشير إلى دور رجل المخابرات فتحي الديب وما قام به في الجزائر، وقد جاء هذا في معرض تحذيره من دور هذا الرجل الذي كان وقتها سفيرا لمصر في ليبيا آنذاك، وقد وصف دور فتحي الذيب بأنه كان تخريبا للعلاقات بين رجال الحكومة الجزائرية، والمساهمة في إضعاف مكانة بن بيلا الذي اتصف بمجاملة "زائدة عن الحد". كما حدثني عن تدخلات السفير المصري في الجزائر، الذي دعاه الرئيس بن بيلا مرة –من قبيل المجاملة- لحضور اجتماع جلسة لمجلس الوزراء الجزائري كانت مخصصة لبحث العلاقات المصرية الجزائرية، فما كان من السفير المصري إلا أن اعتبر أن ذلك يجعل من حقه أن يحضر كل اجتماعات مجلس الوزراء واحتج لعدم دعوته إليها وخلق منها مشكلة، وذكر أنه يوم انقلاب "بومدين" فوجئ بالسفير المصري يطرق بيته ويحرضه على ان يقوم بتجميع رفاقه في حرب التحرير لمقاومة الانقلاب والدفاع عن حكم بن بيلا، فقلت له ما في باس اللي راح جزائري واللي جاي جزائري ولا نريد حربا أهلية، وأنتم الذين أسقطتم "سي حمد" بتدخلاتكم السافرة الرعناء، ثم قمت بطرده من منزلي. وللعلم فإن السيد رابح مشحود كان –إبان حرب التحرير- يعمل كضابط ارتباط لجبهة التحرير في ليبيا، وهو يكن حبا عميقا لليبيين ويثمن ما قامت به ليبيا من جهود لدعم الجزائر، وقد روى لي في لقاءات متعددة كيف كان يعمل هو ورفاقه في داخل ليبيا، والعون الكبير الذي تلقونه من كل الأوساط الليبية.
[7] كان من نتائج هذه المعارك سقوط ضباط مصريين في أسر القوات المغربية، واحتفظت المغرب بهؤلاء الأسرى إلى أن انعقد أحد مؤتمرات القمة العربية في القاهرة حيث قام الملك الحسن باصطحاب هؤلاء الأسرى معه وسلمهم للحكومة المصرية. (اتضح من رواية الطيار المغربي السابق صالح حشاد في برنامج شاهد على العصر أن من بين الأسرى الرئيس حسني مبارك الذي كان طيارا آنذاك)
[8] كان بورقيبة في زيارة للأردن خلال عام 1965 زار خلالها الضفة الغربية واطلع عن كثب على أحوال المخيمات الفلسطينية وأحوال الفلسطينيين عموما، ما دعاه إلى أن ينادي بأن يقبل العرب قرار الأمم المتحدة الصادر في عام 1948 بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وأن توقع معاهدة سلام بإشراف الأمم المتحدة. معروف أن قرار التقسيم اعتبر حين صدوره قرارا جائرا لأنه كلن يقسم فلسطين الدولة "الواحدة"، ولكن نتيجة لحرب 1948 تمكنت إسرائيل من الاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي التي خصصها قرار التقسيم للدولة الفلسطينية. أي أن "بورقيبة" لم يفعل سوى المناداة بوضع أفضل مما كانت عليه الأوضاع عام 1965، ناهيك عن الأوضاع التي نجمت بعدئذ عن حرب 67. وإذا ما قارنا بما نادى به بورقيبه والمطالب العربية اليوم فالفارق شاسع جدا. كذلك فقد كانت المطالبة بتنفيذ قرار التقسيم يشكل إحراجا سياسيا ليس لإسرائيل فحسب ولكن للدول الغربية عموما والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وكان قرار التقسيم ما زال يلقى قبولا في الأوساط الدولية، ولم تكن إسرائيل حينها تحظى بالدعم المطلق المتوافر لديها الآن. كذلك فقد كان من الصعب التنبؤ بما كانت مناداة بورقيبة ستحقق في حال عدم مهاجمتها من قبل عبد الناصر والإعلام الناصري، لكنها كانت على أية حال ستكشف أن إسرائيل أيضا ترفض أية تسوية على أساس قرار التقسيم.
[9] يقول المشير عبد الغني الجمسي في مذكراته : « في تقديري ، نشوب الحرب كان يخدم الأهداف الاستراتيجية لكل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة . » وفي هذا تلميح إلى أن. عبد الناصر خدع من قبل الاتحاد السوفيتي واستدرج إلي الحرب عن طريق تزويده بمعلومات غير صحيحة عن حشود إسرائيلية على الحدود مع سوريا. الغريب أن مصر أوفدت الفريق محمد فوزي إلى سوريا للتأكد من هذه الحشود وعاد بعد أن تأكد من عدم وجود حشود على سوريا، ولكن عبدالناصر اتخذ إجراءات غلق المعابر وتحشيد القوات في سيناء. كذلك فيفهم من حديث الدكتور مراد غالب (السفير المصري في موسكو إبان تلك الحقبة) في شهادته على العصر أن المعلومات التي قدمها الاتحاد السوفيتي إلى مصر لم يتم التثبت منها في إطار الاتحاد السوفيتي نفسه، ولم تكن نتاج استطلاعات جوية، وإنما كانت نتاجا لتسريبات إسرائيلية تلقفها عملاء موسكو في تل أبيب ومرروها إلى القيادة السوفيتية.
[10] بدعوى الاستجابة لمطلب من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، دون أن يطلب أية ضمانات بأن لا تتعرض مصر لضربة استباقية، بل حتى دون أن توضع مصر في حالة استعداد لمواجهة ضربة إسرائيلية. لقد صدق المشير الجمسي حين وصف هذه الحرب بأنها "مقامرة ومؤامرة".
[11] في تصريح لقائد الجو الإسرائيلي آنذاك قال بأن إسرائيل قضت 16 سنة نستعد ونخطط لهذه المعركة، وأنها حققت نتائج تخطيطها في خلال ثمانيين دقيقة وهو الزمن الذي تم فيه تحطيم الطيران المصري .
|