|
من ذكريات شهر رمضان المعظم تلك المعركة الفاصلة بين دعاة الحق وعصابة الباطل بين أنصارالإسلام وأتباع الهوى الشيطان التى وقعت فى يوم الجمعة السابع عشرمن رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة إنها معركة بدرالكبرى والتى كانت نصرا عظيما للمؤمنين وهزيمة ساحقة للمشركين زلزلت كيانهم وأفقدتهم صوابهم وهزت مكانتهم لدى قبائل العرب كافة وذلك بقدر ما مكنت للمسلمين فى نفوس أهل الجزيرة من سمعة كبيرة وتقدير وحسبان وسماها القرآن الكريم بيوم الفرقان لأنه فرق بين الحق والباطل فقال"وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير "
وشهد الله عز وجل بهذا النصر ومن به على المؤمنين وسجل ذلك فى كتابه العزيز بقوله "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" نعم كانوا أذلة حيث كانوا قلة فى العدد والعدة غير أن أعتمادهم على الله وحده زادهم إيمانا ويقينا،وتوكلهم عليه أعطاهم قوة وصبروثباتا،فلم يستطع عدوهم رغم تفوقه الكبير فى العدد والعدة أن ينال منهم شيئا وذلك لأنهم عرفوا الله حق المعرفة فعبدوه بصدق وإخلاص،وصدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به فأطاعوه ونفذوا أوامره ،وأمنوا بالدين الإسلامى الحنيف فطبقوه على أنفسهم وعلى من حولهم،وأحيوا الوطن الذى نشأوا عليه وتربوا فيه فكانوا يدا واحدة على عدوهم،حتى حرروه من براثن الشرك والظلم والطغيان،ورفعوا لواء التوحيد عاليا خفاقا للدنيا كلها.وإذا كان القرآن الكريم قد سجل أحداث هذه الغزوة فى كثير من أياته فإنما أراد بذلك أن نستخلص منها العبر والعظات على مر الأجيال والعصور وإلى أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين.
هذه المعركة العظيمة اشتملت على كثير من الدروس المفيدة فى نواح شتى وحسبنا هنا أن نقف وقفة تأمل وتدبر أمام أبراز حدثين هامين من أحداثها وهما الشورى،والضراعة إلى الله عز وجل .
أما مبدأ الشورى فقد التزمه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فى هذه الغزوة حينما استشارهم فى الدخول للمعركة، ونزل على رأى الحباب بن المنذر، واستشارهم فى شأن الأسرى وأخذ برأى أبو بكر الصديق رضى الله عنه،وإذا استعرضنا حياته صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ فى كل أمرلا نص فيه من كلام الله.
بهذا الإلتزام النبوى الشريف يضع لنا الرسول صلى الله عليه وسلم علامة بارزة على مبدأ سامى من مبادى الإسلام الحنيف تلك التى تحقق للإنسان العزة والكرامة فى الدنيا والفوز والنجاة فى الآخرة والمشورة من كمال العقل وبعد النظر وحسن السياسة وتدبير الأمور فإذا ما طبقنا مبدأالشورى فيما بيننا استطعنا أن نقض على الإستبداد الغاشم والظالم، واستغنينا عن كل ديمقراطية غربية مستوردة ففى الإسلام متسع لكل خير.
فما أحوجنا فى زماننا هذا الذى كثر فيه العبث والضلال لمقدرات الإنسان أن نأخذ بهذا المبدأ بحيث لا نقدم على أمر من الأمور التى يخص الدولة ونظام الجماعة فى الإدارة والسياسة والاقتصاد فى السلم والحرب إلا بعد استشارة ذوى الرأى والخبرة حتى لا نقع فى محظور أبدا لأن الإنسان الواحد مهما بعد نظره ورأيه لا يرى من حجاب الغيب شيئا وإنما هوعبارة عن اجتهاد، وعليه فاتفاق رأيين خير من واحد،و اتفاق ثلاثة خير من اثنين ولذلك أعلنها القرآن الكريم فى صراحة ووضوح "وأمرهم شورى بينهم" لأن رأى الجماعة لا تشقى البلاد به على العكس من رأى الفرد الذى كثيرا ما يشقيها.
وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا ينطق عن الهوى وكان مثالا للزعيم الموفق إلا أن الله يأمره أن يستشر أصحابه بقوله "وشاورهم فى الأمر" فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين بمعنى استشرهم فى أمور الدين والدنيا مما لم يرد به الشرع أولم تنزل فيه وصية فإذا صممت على تنفيذ أمر بعد المشاورة فأمضى على ما عزمت عليه مفوضا أمرك إلى الله واثقا به إن الله يرضى عن المتوكلين الذين يفوضون أمرهم إليه.
أما المبدأ الثانى وهو الاستغاثة إلى الله عز وجل فمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان واثقا بأن النصر له وكان يطمئن أصحابه إلى ذلك بل ذهب إلى أكثر من ذلك حينما أشار إلى أماكن متفرقة من الأرض واضعا يده عليها قائلا هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان إن شاء الله غدا ووقع كما أخبرعليه الصلاة والسلام إلا أنه على الرغم من ذلك كان يقف طوال ليلة المعركة يجأر إلى الله بالدعاء ومما قاله "اللهم أنجز لى ما وعدتنى ،اللهم آتنى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض" وكان يزيد فى الدعاء اظهار عبوديته لله عز وجل وذلك هو سبب النصر وما النصر إلا من عند الله.
أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم ولسائر المسلمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو محمد غفر الله له
الجمعة 14 رمضان 1430
الموافق 4 سبتمبر 2009
|