منبر الجمعة: من سماحة التشريع الاسلامي 2

 

بقلم: أبو محمد
لا يزال الكلام موصولا بسماحة التشريع الإسلامى العظيم  فبعد أن تحدثنا عن السماحة فى العقيدة والعبادات نتحدث اليوم عن سماحة التشريع الإسلامى فى المعاملات جاء فى هدى النبى صلى الله عليه وسلم الذى يبين لنا السماحة فى كل المعاملات فى البيع والشراء والاقتضاء.فعن جابر بن عبد الله –رضى الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" رحم الله رجلا سمحا إذا باع واذ اشترى واذ اقتضى "  رواه البخارى فى البيوع فى باب السهولة والسماحة فى الشراء والبيع ، ومن طلب حقا فليطلبه فى عفاف عما لا يحل والمراد بقوله رجلا سمحا أى سهلا فى أحوال البيع والشراء وأحوال التقاضى . فالرسول صلى الله عليه وسلم يحُضنا على االسماحة والتراحم بين العباد فى معاملاتهم كلها فى دنيا الناس الفانية وفي الآخرة الباقية حيث يتجاوز الله تعالى عن عباده الذين يتجاوزون ويتسامحون مع عباد الله روى البخارى بسنده أن حذيفة رضى الله عنه قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم : " تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم ، قالوا : أعملت من الخير شيئا ؟ قال : كنت آمر فتيانى أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر. قال فتجاوزوا عنه" وعن عبد الله بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا لعل الله أن يتجاوزعنا فتجاوزالله عنه " وقد اختلف العلماء فى حد الموسر فقيل من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته قال الثورى وابن المبارك وأحمد وإسحاق من عنده خمسون درهما أو قيمتها من الذهب فهو موسر. وقال الشافعى قد يكون الشخص بالدرهم غنيا مع كسبه وقد يكون بالألف فقيرا مع ضعفه فى نفسه وكثرة عياله ، وقيل المعسر والموسر يرجعان إلى العرف فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارا فهو موسر وعكسه.
   وهكذا يريد الإسلام أن يكون الواحد منا سهلا :مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا يحض على السماحة ، وترك المشاحة والتضيق على الناس فى المطالبة وأخذ العفو منهم وكما راعى الإسلام العظيم السماحة فى العقيدة والعبادة والمعاملات فإنه راعى السماحة فى معاملة المسلمين لغيرهم ممن ليسوا على دينهم قال تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " ولم يقف عند هذا الحد بل قرر حماية أهل الذمة والمستأمنين ما داموا فى دار الإسلام وهذا الحق الذى أعطاه الإسلام لحمايتهم يجب عليهم أن يعاملوا به أهل الأديان الأخرى من الأقليات الغير الإسلامية حماية لهم وتمكينا لعباداتهم ، وأكد الإسلام العظيم على حقوق أهل الكتاب والمعاهدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة ".
   ومن سماحة الإسلام أن أحل لنا طعام أهل الكتاب ، وأحل لهم طعامنا قال تعالى " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ، وطعامكم حل لهم " كما شرع لنا الزواج بالكتابية
     ومما يدل على انتشار الإسلام بسماحة وحسن معاملة المسلمين لغير المسلمين هذه الواقعة التى حدثت بين الإمام على بن أبى طالب وبين رجل من أهل الكتاب وذلك عندما فقد الإمام على رضى الله عنه درعه ثم وجدها عند هذا الرجل الكتابى فجاء به إلى القاضى شريح قائلا : إنها درعى ولم أبع ولم أهب ، فسئل القاضى شريح الرجل الكتابى ما تقول فى ما يقول أمير المؤمنين ؟فقال الرجل ما الدرع إلا درعى وما أمير المؤمنين عندى بكاذب فالتفت القاضى إلى الإمام على رضى الله عنه يسأله يا أمير المؤمنين هل من بينة فضحك الإمام علي وقال : أصاب شريح ما لى بينة فقضى بالدرع للرجل فأخذها ومشى ، وأمير المؤمنين ينظر إليه إلا أن الرجل لم يخط خطوة حتى عاد يقول : أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء. أمير المؤمنين يديننى إلى قاضيه فيقضى عليه :أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين أما وقد أسلمت فهو لك . بهذا وبغيره نرى كيف وصلت سماحة الإسلام إلى هذا الحد.
 
أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم ولجميع سائر المسلمين .
 
أبو محمد غفر الله له الذنوب
الجمعة 4 ذو القعدة 1430
الموافق 23 أكتوبر 2009
 
 


Posted on Thursday, October 22, 2009