|
للقمر وجهان، أحدهما مضيء والآخر مظلم، لكن للاستبداد وجوها عديدة كلها مظلمة وكلها قبيحة، ولا يوجد بينها وجه واحد مضيء أو حتى نصف مضيء، وعلى مر العصور والأزمنة كان المستبد يستبدل الأقنعة بالأقنعة في محاولة يائسة لإخفاء تلك الوجوه القبيحة لاستعباد الناس، فتارة يدعى الالوهية، وتارة الحق الإلهي ، وتارة أخرى يلتحف بعباءة الدين، وهكذا..
والمستبد ( فرد أو جماعة أو طائفة ) الذي يستعبد الناس تحت أي مسمى أو أي مبدأ (سياسي، اجتماعي، اقتصادي أو ديني ) ويصادر حرياتهم، ويسرق حتى أحلامهم، لا يستطيع أن يخفى تلك الوجوه القبيحة، من ظلم وجور وعسف وامتهان لكرامة الإنسان، مهما تشدق بالديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والوطنية، ومهما نادى كذبا وزورا وبهتانا بالمثل العليا، فكلما أخفى وجها قبيحا ظهر له وجه أقبح وأبشع من الوجه الأول، لأن الأفعال تكذب ألأقوال، والواقع دائما يكذب الادعاء.
وانظر إلى مرض الاستبداد عندما يستشرى في المجتمع كيف يمسخ القيم والمثل العليا باسم الحرية والتحرر، وكيف يعمى الأبصار والبصائر ويحارب العلم والعلماء باسم الإيمان، وكيف يدعو إلى فكر التطرف ومنهج إقصاء الآخرين ويشوه الدين باسم التدين، وكيف ينشر الإرهاب والموت باسم الجهاد، حتى يصل الأمر إلى التصفية الجسدية والقتل بالجملة والمفرق في عمليات إرهابية بغيضة.
والاستبداد كالعقرب بضاعته دائما سم ناقع، والاستبداد كشجرة الحنظل ثماره دائما تقطر مرارة، وفي كل مرة تأتي نتائج الاستبداد مخيبة للآمال بل مفجعة وموجعة، فنتائجه دائما ظلم وجور، ومواسمه فجائع ومواجع، وثمراته شوك وحنظل ودموع.
ولا تزال صرخة مدام رولان تتردد أصداءها في جنبات الدنيا عندما صرخت في وجوه جلاديها قبيل قطع رأسها بمقصلة الثورة الفرنسية قائلة: ( أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك )
وأسوأ أنواع الاستبداد وأقبحها هو الفكر الاقصائى المتطرف الذي يحتكر الحق والصواب، ويلغي الرأي الآخر، ويكمم الأفواه، ويصادر الحريات، ويقتل الناس، وأخطرها الذي يلتحف بعباءة الدين، كما فعل بن لادن والظواهري، وملالي أفغانستان، وآيات إيران وغيرهم.
والأمثلة على ذلك في التاريخ عديدة ومتنوعة، وجميعها تقطر حقدا ودماءا ومرارة، كمحاربة الكنيسة للعلم والعلماء، والحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، ومقتل ذو النورين ، ورفع المصاحف على أسنة الرماح واغتيال الإمام علي ، وإبادة آل البيت، وفرق الشيعة والخوارج التي كرست الإقصاء والاستبداد، ونشرت الفكر الحاقد الأسود.
فالتنطع والتبديع والتكفير هو نتاج استبداد باسم الدين يؤدي حتما إلى تجميد العقول، وتطبيق حرفية النص دون روحة، وتعسير ما يسر الله على عباده، ويقود إلى الفرقة، وقتل الحرية، وتشويه الدين، وما أفعال ( طالبان ) المتخلفة، وممارسات ( القاعدة ) المشينة، وفساد الشيعة ولعناتهم الحاقدة أصحاب معتقد ولاية الفقيه، ومن هم على شاكلتهم من المتطرفين، ببعيد ولا خافية على أحد.
وهذا من شأنه أن يعمل على تنفير المؤمن قبل الكافر وهذا مخالف لجميع الشرائع، ومخالف لهدي جميع الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
وعندما يزداد الناس نفورا من أفعال المستبد المشينة تأخذه العزة بالإثم، فيوغل في التيه والضلالة والتطرف، يطارد الوهم والسراب في صحراء فكره القاحلة، فتسقط جميع الأقنعة ويزداد قبحا وبشاعة، فتصبح أقواله وأفعاله أقبح من القبح.
والماضي والحاضر يحدثنا كيف تم إعدام الناس وخيرة العلماء والمبدعين منهم، فتطايرت الرؤوس بفعل المقاصل والسيوف والخناجر، وتناثرت الأشلاء بفعل المتفجرات بتهمة الهرطقة والكفر والشرك والخيانة ..و.. و..
وتاريخ الجاهلية الأولى وتاريخ الخوارج القدماء وخوارج القرن الواحد والعشرين حافل بأكل الأكباد، وقطع الأوصال، وحز الرؤوس، وحرق الجثث والتمثيل بها.
والغريب في الأمر أن بعض هؤلاء القوم يصفون أنفسهم: ( بالفئة الناجية ) !! ويزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله !! ويدَّعون التمسك بأهداب السنة إلى درجة تبديع وتكفير من لا يقصر إزاره ولا يشمر ثوبه !!
لكنهم في تناقض صارخ يتقربون إلى الله بقطع الرؤوس وسفك الدماء !! فترتفع أصواتهم المنكرة بالتكبير وهم يذبحون المسلم !! ثم يحزون رأسه ويرمونها فوق صدره ويشرعون في قراءة القرآن!! وهو بالطبع لا يتجاوز تراقيهم كما أخبرنا الرسول عنهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم ) وقال : ( رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه )
ويرتكبون أبشع مجازر القتل بالجملة، دون أن تطرف لهم عين، رغم توعد الله سبحانه وتعالى لمن تعمد قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال سبحانه:( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما )
وقال تعالى: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )
ورغم التحذير الشديد من الرسول (الذي يدّعون إتباع سنته ) وهو الذي أرسله ربه ( رَحْمَةً لِلْعَالَمِين ) وكان ( بالمؤمنين رءوف رحيم ) وما كان فظا ولا غليظ القلب صلوات ربي وسلامه عليه ، وهو صاحب الشفاعة الكبرى، والنعمة المسداه، والرحمة المهداة للعالمين كل العالمين، وهو القائل : ( لزوال الدنيا جميعا أهون على الله من دم سفك بغير حق )والقائل :( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) والقائل: ( إنما بعثت رحمة ولم ابعث لعانا )
والشقي ابن ملجم قاتل الإمام علي بن أبي طالب، كان يقيم الليل حتى تتورم قدماه وكان يحفظ القرآن عن ظهر قلب، لكن الرسول أخبر الأمة بان من يقتل عليا هو ( اشقي الآخرين ).
وعندما قبض عليه أصحاب الإمام ضربوه، وعذبوه، وسحبوا لسانه، فصاح الشقي قائلا: اتركوا لي هذا العضو اذكر به الله !!
فكان ثباته على الباطل، وكان عمله محبط ، وفطرته منكوسة، فلم تنفعه الطقوس الخارجية ما دام القلب مريضا، ( فالله يريد قلوبا تخشع لا قوالب تخضع ) وكان ( أشقى الآخرين )، كما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقديما اعترض الخوارج طريق عبد الله بن خباب وكانت برفقته زوجته فقتلوها وهي حامل، وعندما شرعوا بقتل خباب سقطت من خباب تمره فتناولها أحدهم وشرع في أكلها، فنهره أحدهم بشدة ومنعه من التهام التمرة لأنها ( حرام )!! فامتثل الرجل للأمر ورمى التمرة (الحرام ) من فمه، ثم قطعوا رأس عبد الله بن خباب صاحب التمرة!!
واستحق الخوارج غضب الله ورسوله والمؤمنين، باستحلالهم دماء المسلمين، وادعائهم أنهم همالمسلمون وحدهم، وكل من اتصف بما اتصفوا به يستحق ما استحقوا من غضب الله ورسوله والمؤمنين.
وهذه مقاطع قديمة وحديثة، على سبيل المثال لا الحصر، تبين كيف أدى التشدد والتنطع والغلو إلى تجميد العقول، واعتبار كل ما هو حديث بدعة وكفر وتشبه بالكفار!! :
-
لم يستخدم المماليك في مصر والشام البنادق وعزفوا عنها واعتبروا استخدامها مخالف للسنة النبوية !!
-
اصدر شيخ الإسلام العثماني فتوى بعزل السلطان سليم الثالث لأخذه بالأساليب الغربية في تنظيم الجيش !!
-
نظروا إلى المطبعة على أنها آلة صنعها الكفرة ولا يجوز طباعة القرآن عليها !!
-
منع السلطان العثماني با يزيد الثاني ( في عام 1458 م ) اقتناء المواد المطبوعة ، وتكرر المنع من السلطان سليم الأول عام 1515 م !!!
-
وبلغ ببعض المشايخ ( العلماء ) أن حرموا التلفاز والدش والتصوير الفوتوغرافي، وعلم الكيمياء وعلم الجيولوجيا، ومنهم من أنكر كروية الأرض، ومنهم من أنكر دورانها !!
-
وحرموا جرس الساعات، وحذروا من إدخال تلك الساعات إلى المساجد والبيوت لأن صوتها يشبه صوت الناقوس!!
-
وحرموا الموسيقى والشطرنج !! وحرموا على النساء استعمال الانترنت وقيادة السيارات!! أما ( طالبان ) وما يفعلونه بالمرأة فحدث ولا حرج.
-
شنعوا على الخلفاء العباسيين لما وجهوا عنايتهم إلى تعريب كتب الأقدمين، معتبرين ما في تلك الكتب علم كفار يجب ألا ينقل إلى المسلمين !!
-
-
وبلغ الجهل بأحد ( العلماء الكبار) في العصر الحديث أن أفتى بوجوب هجرة أهل فلسطين من ديارهم وتركها حتى لا يتعرضون للأذى من اليهود!! ( إقتداءا ) !! بالرسول لما هاجر من مكة وتركها للكفار!! وهو أمر أعجب من العجب حيث يؤمر بتنكيس راية الجهاد ضد الصهاينة لتحرير القدس أولى القبلتين ومسرى ومعراج رسوله صلى الله عليه وسلم، وترفع راية الإرهاب في عمليات سفك الدماء الانتحارية (باسم الجهاد) في أصقاع أوروبا وروسيا وأفغانستان، دون أن تطلق الفرق المتطرفة (الجهادية المقاتلة) كالقاعدة، وغيرها، اطلاقة واحدة تجاه الصهاينة في فلسطين المحتلة !!
-
وفي الفترة بين (1511 ــ 1546 م ) حرم السلاطين شرب القهوة !! لأن فيها تشبه بالكفار!!
-
والخوارج لما قرأوا قوله تعالى ( إنالحكم إلا للّه ) قالوا من أجاز التحكيم فقد أشرك باللّه تعالى !! وكفروا الإمام على لما قبل التحكيم !! ورفعوا المصاحف على أسنة الرماح، واتخذوا شعارهم) لا حكم إلا للّه )!!
-
والجماعات المتطرفة اليوم يحرمون النطق بكلمة ( الديمقراطية ) وكلمة ( الدستور ) ويعدونها شركا وكفرا بواحا، ويسعون جاهدين للاستيلاء على الحكم واستعباد الناس باسم الدين وبقوة السلاح... ولا تبتعدوا كثيرا واسألوا السيد ( بلحاج ) في طرابلس الذي عجز تماما عن نطق كلمة ( ديمقراطية ) وكلمة ( دستور ) يوم أن حشر نفسه وألقى كلمة في بنغازي بمناسبة إعلان تحرير ليبيا !!
-
قامت الدنيا ولم تقعد عندما أفتى الشيخ محمد عبده بجواز لبس القبعة وعدم تكفير من يرتديها
ولا أدري ما هي فتواهم في ركوب السيارات والطائرات والقطارات واستعمال التلفونات والكمبيوتر وبقية المخترعات الإنسانية الأخرى.
ولله في خلقه شئون
بقلم / أحمد العبيدي
|