|
|

|
|
سعيد خليفة الختالي
|
أربع عقود مرت والشعب الليبي بكافة أطيافه يئن تحت وطأة القهر والحرمان والتغييب والغبن والتخلف ، رأى خلالها الإعدامات في الساحات العامة وتعليق الأحرار على أعواد المشانق والاعتقال والإخفاء القسري للمناضلين والمجازر الجماعية في السجون والفساد المالي والأخلاقي المريع والجرائم ضد الإنسانية وباقي الممارسات اللاانسانية التي لا يقبلها عقل أو ضمير .
استمر حال شعبنا على ذلك رغم كل المحاولات الباسلة لمقاومة نظام القذافي ، حتى كان يوم السابع عشر من فبراير ، حين خرج الشباب الليبي في مدن الوطن والتي بدأت من بنغازي وامتدت لتشمل كامل التراب الوطني مطالبين بالحرية والكرامة وإسقاط الطاغية ، وكان شباب الأمازيغ ، شأنهم شأن باقي شباب ليبيا ، سباقون في رفع علم ليبيا الاستقلال العزيز في ربوع ليبيا ، ولم يتأخر رد القذافي عن المتوقع منه ، صب جام غضبه على المدن الثائرة وقصفها بالصواريخ والراجمات والطائرات والمدافع الثقيلة ، وكان نصيب مدن الأمازيغ يفرن وزوارة والقلعة ونالوت دمارا كاملا حالها حال الكثير من المدن الثائرة ، مما اضطر سكان هذه المدن إلى هجرة بيوتها إلى الدول المجاورة للعيش في معسكرات اللاجئين طوال زمن الثورة .
هكذا فُرضت الحرب على الشباب الثائر وحلت لغة الرصاص بدلا من لغة التظاهر السلمي لإسقاط الطاغية ، ودفع الشعب الليبي ثمن تحرره غاليا ، وهل ثمة شيء أغلى من أرواح شبابنا الثائر ودمائهم الزكية التي روت دماء الوطن ؟! استطاعت الثورة وخلال لحظات أن تقضي على كل الترسبات الكريهة التي شجّع لها الطاغية وثبتها في الأرض من كراهية قبلية وإثنية بين أبناء الشعب وأصبحت الوطنية هي المقياس بعيدا عن القبلية البغيضة واختلطت دماء الأمازيغ والعرب وكافة شرائح الشعب الليبي في وحدة لا يمكن إلا الرهان عليها والتشبث بها والمطالبة باستمرارها ، فالوطن كان وسيبقى موئل الجميع وحلمهم الذي لا يمكن تبديله .
ثمانية أشهر من المقاومة المسلحة والحرب غير المتكافئة ، دفع فيها الأمازيغ والعرب قوافل الشهداء والجرحى ناهيك عن آلام التهجير والإيواء في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة ،حتى جاء النصر وتحررت طرابلس وطويت صفحة نظامٍ ستتذكر كتب التاريخ إن ثمة نقطة سوداء مرت في تاريخ البشرية وكان مقرها هنا في طرابلس .
كان للأمازيغ دور كبير في حرب التحرير الظافرة ، روت دماء شباب كل بقعة من بقاع الوطن الليبي ، لم يبخلوا على ليبيا الحرة بشيء ، كل دافعهم في ذلك أن يعيشوا بحرية وأمان إلى جانب أخوتهم في ليبيا حرة ديمقراطية بعيدا عن التهميش والكراهية والإقصاء التي كانت سمات مرحلة الظلم والطغيان الآفلة .
إلا إنه وما أن تمت عملية التحرير وفي غمرة احتفالات شعبنا بتحرير كامل التراب الليبي واستبشاره خيرا بالعملية الانتخابية الأولى في تاريخ ليبيا منذ أربع عقود وفي أروقة مجلسنا الانتقالي الموقر لاختيار رئيسا للحكومة والتي أفضت إلى انتخاب الدكتور عبد الرحيم الكيب لرئاسة الحكومة ، وجدت الخيبة طريقها مرة ثانية إلينا على خلفية بقاء ثقافة الإقصاء والتهميش والتغيبب مستقرة في الوطن ، حيث تم استثناء الأمازيغ من أي ممثل لهم في الحكومة رغم إدعاء رئيس الحكومة : "إن الحكومة ليست حكومة محاصصة بل حكومة كفاءات ! "، ولو كانت كذلك لقبلنا الأمر بل لكنا في الخطوط الأولى للدفاع عنها ، إلا إن الحكومة ليست كذلك بل هناك خلف كواليس التشكيل كوابيسا لا يمكن السكوت عنها.
تساؤلات وأسئلة كثيرة تدور حول " حكومة الكفاءات " ، أولها حول معنى الكفاءات ؟! هل هي الشهادات الجامعية ؟ أم أنها الكفاءات الإدارية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ؟! السؤال يطرح حول الكفاءات التي يتمتع بها قبل الجميع ، كلا من رئيس الحكومة ، الكيب ، ونائبه ، أبو شاقور ؟! هل شهادة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية هي الكفاءة اللازمة لإدارة دولة خارجة توا من حكم أربع عقود ديكتاتورية طاغية وحرب تحرير دفع فيها الشعب الليبي عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ؟! هل الكفاءة لعبت دورها في اختيار رئيس الحكومة لنائبه ، أبو شاقور ، أم الزمالة في جامعة آلاباما الأمريكية ؟! سؤال برسم السيد رئيس الحكومة ! هل لانقطاع التيار الكهربائي أثناء حرب تحرير ليبيا دور في اختيار السيد مصطفى عبد الجليل لرئيس الحكومة و نائبه؟! هل ثمة كفاءات في الإدارة والسياسة والاقتصاد في الحكومة الحالية أم هي حكومة محاصصات قبلية على الطريقة القذافية الكريهة البغيضة ؟ وإلا ما معنى تخصيص خمس حقائب للمدن الناطقة بالعربية في جبل نفوسة وحرمان الأمازيغ من أي مقعد ؟ هل للعنصرية المقيتة التي عشناها دهرا مع العصر البائد ملامح أكثر وضوحا مما يجري الآن ؟ مناطقية وقبائلية وكراهية وتهميش و.......
إن النظر إلى الأمازيغ بهذه الطريقة لمؤشر على إن الانتهاء من العهد البائد ليس سهلا ولا يكفي مقتل رأس الأفعى واعتقال عناصر دائرته الضيقة وإنما يجب الانتهاء من ثقافة ذلك العهد المقيت ، ثقافة قائمة على العنصرية وتفضيل عنصر على عنصر ، لا على أساس الوطنية والكفاءة واعتماد معايير التاريخ والكفاءة والجغرافيا السياسية في اختيار ممثلي الحكم ، والانطلاق من قاعدة المساواة بين أبناء الوطن لا على أسس أخرى دفعنا ثمن التخلص منها غاليا وما زلنا مستعدون لبذل المزيد من أجل التخلص من رواسبها .
وأمام هذا الخطأ المشين والمتمثل في اقصاء الأمازيغ في التمثيل في حكومة " الكيب " ، لا بد لممثلي الأمازيغ في المجلس الانتقالي من تقديم استقالتهم الجماعية اعتراضا ، ولا بد للسيد مصطفى عبد الجليل والسيد عبد الرحيم الكيب من تقديم اعتذار علني للأمازيغ عن هذه الواقعة التي تشير في حال استمرارها إلى المخاطر المحدقة بوطننا ومستقبله .
إن بناء الأوطان يلزمها الكثير فإلى جانب النوايا الطيبة والتي لا تكفي أبدا لبناء وطن ، لا بد أن تتوفر الإرادة والعزم والوطنية وحسن الإدارة والثقافة السياسية والإدارية والكفاءات السياسية والمهنية المتخصصة والمتخلصة من عقد الكراهية والتعصب والقبلية ، وإن أول شروط بناء الأوطان هو توفر العنصر البشري الذي يحتكم للمنطق والعقل الحضاري الذي يعتبر القانون والمساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد أولا وقبل كل شيء بعيدا عن أي انتماء آخر ، وما حصل في تشكيلة حكومة الكيب ينفي عنها هذه الصفات ، كلنا أمل أن تكون هفوة غير مقصودة يتم التراجع والاعتذار عنها علنا .
أخيرا ، الرحمة لشهدائنا الأبرار والشفاء لجرحانا والعزاء لأهالي الشهداء والجرحى والمجد كل المجد لليبيا العدالة والحرية والديمقراطية والمساواة ، ليبيا القانون ، ليبيا الكرامة والشعب الواحد دون أي تمييز أو تهميش .
26ـــ 11ــــ 2011
سعيد خليفة الختالي .
|