-
من خلال قراءة تصريحاتالسيد عبد السلام جلود لصحيفة الحياة ، وهي قراءة تحليلية موضوعية ، أحاول أن استخلص بعض الملاحظات –أولها- حول أوجه الشبه والاختلاف بين الرجلين اللذين خططا وقادا الانقلاب العسكري ضد الشرعية الدستورية عام 1969 . ويمكن بداية ملاحظة أن طريقة تفكير الرجلين تكاد تكون واحدة وخلفيتهما الثقافية واحدة وأمزجتهما في طريقة الحكم وتصريف الأمور متقاربة جدا ، وما جمع بينهما أكثر مما فرق . ويمكن القول بأن تفرد الأول بالحكم هو الذي أغضب الثاني وجعله ينأى بنفسه عن الحكم ، وإن بقيت شعرة معاوية عالقة بينهما إلى يوم7 فبراير.
-
الملاحظة الثانية / الدور الذي قال أنه لعبه في اتخاذ قرارات خطيرة تعلقت بمصير الشعب الليبي ومستقبله مثل الحرب ضد تشاد والحرب العراقية الإيرانية وغيرها، يبين أن مسئوليته القانونية والسياسية لا تقل عن مسئولية القذافي . وحتى تكتمل الصورة تمنيت لو انه حدد مواقفه من قضايا وأحداث لا تقل أهمية وخطورة عن سابقاتها مثل الحرب الليبية المصرية والحرب ضد أوغندا، والمشاكل المفتعلة مع تونس في عهد الرئيس أبو رقيبة ومع السودان في عهد الرئيس نميري، والمشاريع الوحدوية الفاشلة مع مالطا وغيرها ، والدور التخريبي ضد المقاومة الفلسطينية ، وتمويل وتنفيذ العمليات والجماعات الإرهابية ، ودور اللجان الثورية في التصفيات الجسدية ، واغتيالات الوطنيين والمعارضين في الخارج ، والمشانق التي نصبت لليبيين في الداخل وراح ضحيتها عشرات الطلاب والمساجين السياسيين في 7 ابريل ، ومهزلة التدريب العسكري التي أودت بحياة عشرات الليبيين وتسببت في هجرة المئات من خيرة العقول والخبرات الوطنية إلى الخارج . وهي أحداث ووقائع حدث معظمها أثناء مشاركته في الحكم واعتباره الرجل الثاني خلال الفترة من 1سبتمبر عام 1969 إلى نهاية الثمانينيات وتقلده مناصب عديدة من بينها منصب رئيس الوزراء.
-
عند رجوعه بالذاكرة إلى بدايات التحضير لما وصفه بالثورة ضد النظام الملكي نفاجأ بحديث عن ذكريات مرحلة الطفولة . ومن حقنا أن نتساءل كيف لطفلين لم يبلغا سن الرشد وهما في مرحلة الدراسة الإعدادية أن ينخرطا في عمل فكري سياسي حركي بهذا المستوى ( التنظير للثورة وتعبئة الجماهير وتنظيم المظاهرات ) . وكذلك من حقنا أن نقف قليلا أمام لقائهما الأول عام 1959 ( داخل السجن لاشتراكهما في مظاهرة طلابية ).. ؟؟ ولقائهما الثاني في (غابة نخيل بعيدا عن مدينة سبها ) لوضع الأسس النظرية لحركة الوحدويين الأحرار . ونعيد السؤال من جديد كيف لتلاميذ بالمدرسة الإعدادية أن ( يقودوا مظاهرة طلابية ويجروا المواطنين فيها ؟) ، وكيف يقبل طلبة الجامعة أن ينقادوا لتلاميذ الإعدادية...( قلنا نذهب إلى الجامعات وننظم تظاهرات واعتصامات لنشجع الجماهير على إسقاط النظام ) .
-
نتعجب من مثل هذه الصور البطولية التي طالما سخرنا منها وظننا مؤخرا أن أحداث ثورة 17 فبراير قد تجاوزتها ، وأصبحت في مزبلة التاريخ مع صاحبها . ونتساءل هل يعني ذلك الاستمرار في نهج الاستخفاف بعقلية الليبيين ؟ أم ماذا .؟
-
نستخلص كذلك أن الانقلاب المشئوم الذي أحدث تحولا خطيرا في مجرى حياة الشعب الليبي كان نتاج تفكير وتنظير تلاميذ في المرحلة الابتدائية لم يتجاوز عمر الواحد منهم (13 عاما) عام 1959 ، وأن بقية المشاركين في الانقلاب ليسوا مثقفين ويفتقرون إلى الفكر الثوري وأن ثلاثة منهم فقط هم من يملكون الأدوات الفكرية والثقافة الثورية (القذافي وجلود والمحيشي) ؟؟
-
الحقيقة الجديدة والجديرة بالاهتمام هي أن معمر بومنيار منذ بدايات التحضير والتنظير لانقلابه ضد الملكية الدستورية كانت لديه الرغبة في القيام بانقلاب عسكري يعتمد في القيام به على مجموعة من ( العسكريين الفاشيين ) تم يقوم بعد نجاح انقلابه بالتخلص منهم (... نتعاون لتجنيد اكبر عدد من الضباط الفاشيين ونستغلهم في الثورة ثم نتخلص منهم ... ) . ويبدو أن فكرة الاستعانة بالمرتزقة ليست وليدة الحالة الراهنة وليست جديدة في منهج وفكر القذافي .
-
لاحظنا تسويق انقلاب عام 69 على انه ثورة ( بالمعنى العلمي والإيديولوجي ) ولكنها تعرضت لعمليتي اختراق ، الأولى عام 1958 من جانب معمر بعسكرتها ، والثانية في عام 1975 بتحويلها إلى حكم فردي . وهنا نتساءل عن الأسباب والمبررات التي دعت بقية أعضاء المجلس إلى مواصلة المشوار مع انقلابي فاشي دكتاتوري .؟
-
وهذا يجرنا إلى المسئوليات القانونية والسياسية لمجلس قيادة الانقلاب خلال الفترة من عام 1969 إلى عام 1977 لدوره في اتخاذ قرارات وسياسات خطيرة ألحقت اشد الأضرار بالشعب الليبي وجرت عليه هزائم عسكرية وخسائر مادية وبشرية فادحة .
-
لا ننسى- أيضا - الإساءات البالغة التي لحقت برجالات العهد الملكي من جانب قادة الانقلاب أمام ما سمي وقتها محكمة الشعب . تلك المهزلة التي حاول من خلالها قادة الانقلاب محاكمة النظام الملكي وتشويه سمعة كبار المسئولين فيه بتهم ملفقة وباطلة. وقد انتهت تلك المحاكمة الهزيلة - التي ترأسها بشير هوادي وكان رئيس الادعاء فيها عمر المحيشي- بأحكام بالسجن لمدد مختلفة لكبار المسئولين في العهد الملكي .