|
لم يكن يرد بخلد الكثيرين أن الشعب الذي ران على قلبه عسف الطاغية القذافي ردحاً طويلاً من الزمن أن ينهض ويستفيق، ولم يكن يعتقد الكثيرون أن هذه الغيبوبة الممنهجة التي صنعها القذافي وأزلامه أن تنتهي وأن يستيقظ الغائب من بعيد.
لكن عدالة الله وإرادة الشعوب تكون لها الغلبة والقول الفصل على الدوام في صياغة بنود التاريخ أو إعادة صياغته من جديد بشكل يتوافق مع الحقائق والمسار الجديد والقديم للحياة وللسنة التي سار عليها البشر لازمان طويلة.
وقد تكون الصعوبة بادية لمن عاش عصراً معيناً في أن يصور ويقوم بصياغة هذا العصر الذي عاشه دون أن يتأثر بالعديد من الأشياء والمعطيات التي حوله، وقد يكون هذا التأثر بشكل محسوس، وقد لا يكون هناك إذ كثيراً ما يكون التأثير دون أن يشعر الإنسان به أو يدرك حجم هذا التأثر!!
وإذا ما كنا قد وجدنا وعشنا عصراً اقترب من نصف قرن من الزمن لابد أن يكون له تأثير ولو بطريقة غير مباشرة وفقاً لقانون التعود أو خوفاً ووجلاً أو أخطاء لأمور ترسم في المستقبل قد يكون من الصعب البوح عنها، أما الآن ذلك قد يشكل من وجهة نظر البعض مساساً بذلك العصر أو أن الصمت كان الخطوة الأولى للإفصاح والثورة ـ ذلك أن العديد من الأشخاص كانت لهم إسهامات ومساهمات وبصمات قد لا تظهر إلا بعد حين من الزمن خاصة في نطاق (الكتابة الرمزية) أو غير المباشرة، وهي ما تخدم في الغالب مراحل قادمة قد يراها الكاتب وقد يترسخ شكلها وصورتها دون أن يعلن عنها بجلاء، وقد كان هذا حال العديد من الكتاب والمؤلفين والفنانين الذين حاولوا ـ ولو على استحياء ـ أن يرسموا صورة لمستقبل يرونه من خلال انتقادات تراوحت بين البساطة في الغالب، وقسوة مداراة في بعض الأحيان، وقد نجح الكثيرون في رسم معالم لمراحل مستقبلية دونت كتاباتهم على صفحات الكتب والمجلات والجرائد واخترقت العديد من المواقع بأسماء مستعارة وأخرى حقيقية.
وفي الواقع أن العديد من هؤلاء الكتاب والفنانين كان قد أصابهم في الآونة الأخيرة شيء من الإحباط واليأس ولكنهم لم يركنوا إلى هذا اليأس وذلك الإحباط، وأعتقد أن الثورة والبركان آت لكنهم تمنوا أن يشهدوا ولو وقتاً قليلاً منه قبل أن يرحلوا عن هذه الدنيا.
ومن عاش منهم وشهد ثورة السابع عشر من فبراير لم يصدق أنه عاش اللحظة، وإن كان على يقين بقدومها، ليبدو له الأمر وقد رسمه في الماضي على الورق وقد ظهر حقيقة وواقعاً معاشاً وليواكب درب الثورة الوليدة وهو ممسك بقلبه وجلا من أن تسرق أو تنتهك أو يساء استعمال أدواتها وتنقلب وبالاً ليشهد أن أحداثاً بدت تطل برأسها ومن ذلك إثارة الفتنة، وبعد أن حوربت القبيلة ظهرت المدينة كشكل من أشكال التمايز غير المبرر وهي ـ والحمد لله ـ إشارات لا نؤمن بها ولا نعتقد في صواب القول بها والسير في ركابها، وهذا حال أغلب المثقفين من أبناء هذه البلاد.
كما برز رموز الفساد ليتقلدوا و تقليد العديد منهم ـ بعد أن ارتدى قميصاً آخر ـ أماكن سوف يكون وجودهم فيها وشغلهم لها بمثابة الخطر على الثورة ومستقبل ليبيا.
وفي ظل كل هذا ترقب من بعيد عيون الناس بما مثله من رأي عام ـ أعتقد أنه في تنامي ـ الأحداث والمؤثرات كلها، إذ على يقين بأن الشعب الذي ضحى بالكثير من الشهداء والجرحى في كل المدن الليبية دون تحديد لمدينة دون غيرها، لن يسمح بأن تسرق ثورته ومقدراتها وتسرق ثروته ـ من جديد ـ مهما كانت التضحيات جسام.
غير أنني لست من المتشائمين أو هكذا اعتقد ـ وإن كان ذلك لا يمنعني من القول بأن على الجهات المسؤولة أن تنتبه جيداً إلى أي اختراقات أو تجاوزات أياً كان حجمها، قد تحدث مستقبلاً، وللأسف الشديد أرى علامات بارزة مع غياب الأجهزة الرقابية، وكذلك الصعوبات والمشكلات العملية التي يعاني منها الجهاز القضائي في الوقت الحاضر بسبب نقص الإمكانيات وما سببته الأحداث الأخيرة وعلى رأسها ما رسمه وصنعه ونفذه عصر القذافي من وسائل وأدوات لتحطيم كل المؤسسات، وهو ما سعى إليه منذ زمن طويل.
وإذا ما كانت مسألة التعميم ليست من المسائل السهلة الميسورة فإن الأمر جدير بأن يبحث من كل جوانب الحياة (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) ولدينا من الخبراء ما هم قادرون على ذلك، وأعتقد أن الصمت في هذا الوقت عن الكثير من الممارسات سوف يؤدي إلى تناميها وتصاعد الدخان واختناق الكثيرين من أثره، كما أن هذا الصمت لن يسكت عنه الرأي العام المتجسد في الشعب صاحب المصلحة، والذي ضحى بالكثير ولم يزل يضم بالكثير من الأموال والأنفس.
هذا وإن كانت الثورة الليبية الوليدة هي الخطوة الأولى على الطريق القديم فإنه قد سبقتها ثورات في أماكن أخرى وستعقبها ثورات أخرى لكن الثورة الليبية ليست كغيرها نشأة ومضموناً وجسارة، لتبدو لها كل المسائل خاضعة للتقييم والمراجعة، وقد آن زمن المراجعة والفحص والتدقيق قبل أن يأتي التسونامي الليبي.
|