|

|
|
سعيد خليفة الختالي
|
تقول كتب التاريخ إن ثورات الشعوب تفرز القيادات الجديرة والمؤهلة لتحمل المسئولية، من بين هؤلاء أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم يقدمونها فداء للوطن ومن أجل الحرية والمستقبل المضيء لشعوبهم ، فمنهم من قضى ومنهم من ينتظر ، هذا ما حدث وما يجب حدوثه في ليبيا الكرامة والشعب الحر منذ السابع عشر من فبراير الماضي .
لم يملك التاريخ في يوم من الأيام خطا تصاعديا وإلا لكانت الأمور بألف خير ولم نكن عانينا مما عانيناه من ظلم وتعسف وعدوان على مدار أربع عقود مظلمات ، هكذا دارت حركة ثورتنا الظافرة أيضا ـ فقد نبت الكثير من الطحالب والأشنيات حولها وفي طريقها ، تسلق الكثير من المدنسة قلوبهم ، الفظة أحاسيسهم ، فمنذ الأيام الأولى لاندلاعها هبط نبت شيطاني على بعض أسقف الثورة قبل أن تعلو وتصبو نحو شمس الحرية ، نبت شيطاني نبعه من ذلك الشر الذي اختبرناه وعشنا فظاظته على مدار أربع عقود عجاف ، كانوا أبناء تلك الجريمة النكراء ونتاج سفاحها الآفل ، صغار القذافي وخدمه وعبيده ، سيئو الصيت والنيات ، لبسوا الأقنعة السميكة ، قلّدوا الحرباء بتغيير جلودهم ، قفزوا كبهلوانات مسرح رديء على خشبة المسرح السياسي في ليبيا الجديدة الحرة الأبية ، أصبحوا في ظل مشهد ضبابي وحرب فرضها الطاغية على الشعب إلى شركاء لأهل الحل والعقد ، نفذوا عبر بعض القنوات التي لا نستطيع تبرئتها عن فعل قصدية المشاركة في المجلس الوطني وبعض الوزارات والمسئوليات بين ليلة وضحاها ، خطفوا بعض المجالس المحلية على طريقة الطاغية ذاتها حين سرق الوطن والمواطن في رحلة عذاب استمرت أربع عقود .
الأمثلة كثيرة في ذلك ، ما علينا إلاأن نشير إلى بعضها إشارة المقيم إلى العابر ، انطلاقا من قناعة لنا بأن "الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " ـ قرآن كريم ، البداية من عاصمتنا المحررة المشرقة ، فعند العاصمة الخبر اليقين ، حيث يقود مجلسها المحلي رجل أعمال من النمط الذي أشرنا إليه أعلاه " ثوار ما بعد الثورة " ، يحتكر المفهومية فيما لا يقدر عقله أن يطاله ، يدّعي إن العاصمة لم يحررها إلا أهلها ، متنكرا جاحدا لثورة وثوار لم يكن هو في يوم من الأيام إلا على الطرف النقيض منهم ، يتنكر لأساطير ثوار الجبل ومصراتة والمنطقة الغربية الذين رووا بدمائهم محيط حجه "باب العزيزية " ، ثم تمادى ليطالب الثوار العودة إلى مناطقهم وكأنهم مرتزقة أدوا مهمتهم وقبضوا أجرهم ، جريا على عادة الطاغية المقبور .
يريد أمثال هذا أن نكون شعوبا بلا ذاكرة ، قبعات بلا رؤوس ، كما جرت العادة خلال العقود الأربع التي راكموا فيها أموالهم نهبا وفسادا وإفسادا ، يريدوننا أن ننسى أن هؤلاء الثوار العظماء هم أملنا الكبير في استمرار الثورة حتى تحقيق أهدافها في الحرية والأمن والأمان .
تماما إنهم أعمدة الاستبداد الآثم الآفل ، سارقي الفرح من أبناء شعبنا المقهور ، ناهبوا المال العام والبسمة من الشفاه ، غظاة قساة القلب ،لم تعرف الرحمة طريقا لقلوبهم في يوم من الأيام ، سيرتهم تؤكد ذلك ، حين شعروا بأن ثورة الشعب الليبي لن تتوقف إلا بانتصار مدوٍ تنهي ما قبلها ، قفزوا من عربة الفاشي المقبور ، القذافي ، إلى عربة الثوار بتثاقل وثقل لا يحتملان ، الثورة تُغفر ما قبلها ، لكن على أن لا يعاودوا عاداتهم القديمة الرديئة ، عفى الله عما مضى لمن يطلب السماح وينتظر حكم المقهور عليه ، السماح لا يُفرض فرضاً على السائل المحروم ، قبول الاعتذار هو إرادة المظلوم وليس سواه ، لكن يبدو إن من شبّ على شيء شاب عليه ، لذا حملوا بانتقالهم من عربة الطاغية المقبور إلى عربة الثورة كل صفاتهم النكرة من نصب واحتيال وإجرام قل نظيرهم عبر التاريخ ، كانوا في عداد القتلة ويريدوننا أن نقتنع إنهم تحولوا بين ليلة وضحاها إلى ثوار وأوصياء على الثورة ، يريدوننا أن نتخذهم قدوة لنا في الرحمة ، فها هو الشيخ علي الصلابي يخبرنا بأن نخبة من " رجال الأعمال " قد أسسوا شركة لجمع التبرعات ومقرها لندن وأنهم جمعوا أموالا طائلة لصالح الشعب الليبي، وإن كان لا بد من شكر أصحاب الشركة وصاحب الدعاية الإعلامية ، علي الصلابي ، على هذا الحس الإنساني المتأخر بعد أن صالوا وجالوا سنوات في مسيرة الطغيان بما فيها من فساد وإفساد للمال العام ، فأن التساؤلات التي تطرح نفسها على الشيخ ورجال أعماله ، من هم هؤلاء السادة وهل أموالهم هي سرقات من هذا الشعب الذي يتبرعون له أم هي أموال أعمال فعلية ؟ أليسوا من رجالات أعمال النظام الآفل ؟ هل هناك مال حرام ومال حلال أم إنه كله عند فضيلة الشيخ حلال ، وهل يجوز التبرع للفقير بما سُرق منه أساسا أم إنه يجب أن يعاد لأصحابه ؟! تقول القوانين الوضعية والسماوية في كل الأديان والمذاهب بأن المال المسروق يعود إلى أصحابه فور اكتشاف الجريمة فماذا عنا ونحن الذين لم نكتفي بكشف الجريمة وفضحها بل أسقطنا النظام الذي رعى الفساد والسرقة...
إن بصيرة المارد الليبي الخارج توا من حرب حريته كفيلة برؤية ما خلف الأقنعة الثقيلة
، إنها بصيرة ثاقبة كما آمل ، بصيرة استطاعت تَحمُّل أربع عقود من حكمهم ، لكنها اليوم وبكل صفات المنتصر الكريم تقول : " لا انتقام ولكن لن نسمح لأحد بإجهاض ثورتنا الوليدة ، ثورة الحرية والكرامة والمساواة والعدالة ، حين تأتي الديمقراطية بمن هم أهل الثورة وعقولها وأفئدتها وأذرعها إلى الحكم ، حينها لن تنفع صكوك الغفران التي يصدرها رئيس المجلس الانتقالي ، مصطفى عبد الجليل ، بواسطة الصلابي وبعض أثرياء الحرب الظالمة التي فرضها علينا القذافي بمعيتهم طوال أربع عقود ، بعضهم تسللوا إلى المجلس الانتقالي في برهة خاطفة من عمر ثورتنا ، سيكون القضاء العادل المتمدن الدستوري هو الفيصل بيننا وبينكم ، فذاكرتنا لن تُمحى بقرار ، نحن أبناء ليبيا الحرة ".
خلال ثمانية أشهر من عمر الثورة كان الشباب الليبي ، مستقبل ليبيا ودمها الأغلى ، مشغولون بالثورة المجيدة ، بمهمة إنهاء حرب العقود الأربع على الوطن ومقدراته ، تركوا أمر السياسة لبعض من تنطح للمهمة ، أثناء ذلك تسلل البعض من حلف المُغتصب المقبور " القذافي " وابنه " سيف " إلى المجلس الانتقالي ومارسوا وصايتهم على الوطن في غيبة من أهلها ، هنا لا استثني أحدا ، حتى المستشار مصطفى عبد الجليل ، كان وزيرا للعدل طوال أربع سنوات سابقات ، لم ينبث ببنت شفة عن تلك الحقبة المظلمة حين كان في موقعه ، ولا حين خرج منه وحتى الآن لم يعطنا المثال الأرقى الذي وعدنا به ذات يوم وعاهدنا بتمثيله أمام القضاء الليبي عن السنوات الأربع التي قضاها في ذلك المنصب ، وإن كنا نقدّر له مساهمته في ثورتنا المجيدة ، إلا إنه وبحكم موقعه مُطالب بضرب المثال الأجدر ليكون قدوة لغيره ، وإن كان وقوفه أمام القضاء أمر فوق إرادته فإن عدم سكوته على باقي أفراد العصابة ووقوفه في وجه تنطحهم للالتفاف على الثورة وسرقة انجازاتها وإفراغها من محتواها الإنساني هو أدنى الإيمان ، أما أن يتحول إلى جسر يعبر من خلاله أعضاء حلف الخراب من بقايا الاستبداد المقيت فتلك هي المصيبة ، وإن كان لا يعلم بما يفعل فهي مصيبة واحدة وإن كان يعلم ويقوم بهذه المهمة فإن المصيبة مصائب وليست مصيبتان فقط .
إن قبول الشعب الليبي بالمجلس الوطني الانتقالي على علاته طوال فترة الحرب لا يعني أبدا ترك الحبل على غاربه لفرض هذا المجلس وصايته على الشعب، والحال هذه ووفاء لدماء الشهداء وأرواحهم الطاهرة ، نطالب المجلس بالبدء في مراجعة نقدية لأدائه ، وغربلة صفوفه من المتسللين والمتسلقين وأبناء التراجيديا الآفلة وفتح المجال لأهل الثورة وأبنائه للاستمرار في ثورتهم لتصحيح المسار والدخول في عالم طالما حلم به الليبيين أجمعين ، عالم الحرية والعدل والمساواة والمشاركة والشفافية والقوانين والدستور والتعددية بأنصع مفاهيمها ، عاشت ليبيا حرة أبية والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار والشفاء لجرحانا ، المجد كل المجد لشرفاء ليبيا وأحرارها ، أهل الثورة المجيدة وسواعدها .
سعيد خليفة الختالي
1/20/2012
|