|
- المجموعات السلفية :
يحار راصد الحركات الاسلامية المعاصرة في اعتبار المجموعات السلفية من صلب هذه الحركات أو استبعادها منها ، باعتبارها تقف حجر عثرة في وجه الجماعات والتنظيمات الحركية الاسلامية ، فقد رفضت (السلفية العلمية ) منذ النقاش الأول كل ألوان التنشئة الجماعية السياسية ، واعتبرتها بدعة العصر ، ونصحت مرجعياتها بتجنبها .. لقد كانت هذه المرجعيات عالمة بالفقه الموروث ، ضحلة في الفكر والسياسة و فهم الصراع الحضاري . ولكننا سندرج هذه المجموعات ضمن ( الاسلاميين ) باعتبارين ، الأول : أن بعض هذه المجموعات دخلت العمل السياسي في بعض البلاد العربية والاسلامية ، وربما يسلك بعضها الطريق نفسه مستقبلا في ليبيا ، والاعتبار الثاني : أن السلطات الليبية في النظام السابق اعتبرتهم يمثلون خطرا سياسيا فعاملتهم كما تعامل التنظيمات السياسية الاسلامية الأخرى فنالوا حظهم من الاعتقال وعذابات السجون . السلفية تعني التدين على نهج السلف الصالح ، وعلى هذا الأساس فجميع الحركات الاسلامية تعتبر نفسها بمعنى من معاني الاقتداء سلفية ، أما أن تدعي جماعة معينة بأنها هي ( السلفية ) دون غيرها ، فذلك هو التمذهب بمذهب جديد اسمه السلفية ، يقوم على عصبية الانتماء ، واختراع هذا المصطلح (السلفية) بمضامينه الجديدة بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح ، كما قال د. محمد سعيد البوطي في كتابه عن السلفية . وتنقسم السلفية اليوم الى ثلاثة مدارس :
1-السلفية التقليدية : وهي سلفية نصية ظاهرية ، لا تهتم بالفكر المقاصدي الشرعي ، ومنها مجموعة شديدة الولاء للسلطات ، ولولي الأمر فيها مهما كان ظالما . وصل فكر السلفية التقليدية الى ليبيا من المدرسة السعودية التي على رأسها المشايخ ابن باز والعثيمين وآل الشيخ ، وفرع منها يعرف بالمدخلية نسبة الى الشيخ ربيع المدخلي ، وهذه مجموعة متعصبة لآراء شيخها المدخلي رغم أنها آراء رجراجة متغيرة بحسب الظروف ! وهي تتراوح في حق المخالفين له من العلماء والجماعات بين التضليل ووصفهم بالخوارج !!
2-السلفية الاصلاحية : وعلى رأسها المشايخ عايض القرني وسلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر ، وهي سلفية دعوية حوارية ، أكثر اعتدالا وأكثر تنورا من السلفية التقليدية . وأتباعها في ليبيا كثيرون ، ولكنهم لا ينتظمون في جماعة واحدة شأن السلفيين التقليديين .
3-السلفية الجهادية : وهؤلاء يمكن نسبتهم الى الشيخ أسامة بن لادن ود. أيمن الظواهري أحد زعماء جماعة الجهاد المصرية ، قبل أن تجري الجماعة مراجعاتها الفكرية . ومنهم الجهاديون في سجون المغرب الأقصى ، و منظمة القاعدة في المغرب الاسلامي ، والجماعة الاسلامية الليبية المقاتلة ، قبل أن تعلن مراجعاتها الفكرية و تحل نفسها في السنوات الماضية . ومن المدرسة السلفية الاصلاحية ينحدر سلفيو السودان وسلفيو الكويت الذين انخرطوا في العمل السياسي منذ سنوات ، ودخلوا البرلمان الكويتي وحازوا خمسي أعضائه ، بعد أن توصلوا الى فتوى عنوانها ( القول السديد بأن دخول البرلمان لا ينافي التوحيد ) ! بعد أن كانت فتواهم السابقة – عندما كانوا سلفييين تقليديين – أن دخول البرلمان ينافي التوحيد !! ومن هؤلاء الاصلاحيين أيضا المنتسبون الى (حزب النور) في مصر ، وفي ماليزيا حزب سلفي اصلاحي أيضا . ولعل الشهور القادمة تفرز أشباههم من السلفيين الاصلاحيين في ليبيا ، عندما تتشكل الاحزاب السياسية استعدادا لخوض الانتخابات النيابية . والسبب في انتشار الأفكار السلفية في ليبيا ، هو الحظر الذي فرضه النظام المنهار على دخول المجلات والكتب الاسلامية الى البلاد طوال العقود الأربعة الماضية ، ثم تسريب الأشرطة المسموعة القادمة من بلاد الحرمين في مواسم الحج والعمرة ، وغض نظر السلطات عنها ، وعن بعض المطبوعات السلفية ، لما عرف به السلفيون من تأييد ودعم للسلطة الحاكمة ، وعدم النظر اليها كفكر أصولي انقلابي يشبه فكر الاخوان والتحرير .
مجموعة الشيخ البشتي :
من ضمن المجموعات السلفية مجموعة سميت مجموعة الشيخ البشتي ، فقد كان الشيخ محمد البشتي خطيب مسجد قصر الملك بطرابلس ، في أواخر السبعينات ، وكانت خطبه حماسية تحرك عواطف الحاضرين ، وكان ينتقد الطاغية القذافي جهارا نهارا ، فقد عارضه في عدة مسائل منها انكاره للسنة النبوية ، ووصلت به الجرأة في احدى خطبه – وكنت حاضرا – أن قال : من فرق بين القرآن والسنة اللهم فرق بين رأسه وجسده !! وكان للشيخ تلاميذ يحضرون دروسه وخطبه ، وكان مسجده ملتقى لبعض الاسلاميين يوم الجمعة ، وممن تعرفت عليهم هناك عام 1980الشهيد أحمد ابراهيم احواس ، وكان يعمل سفيرا لليبيا في غويانا ، ويقوم باعداد برامج اذاعية للدعوة الى الاسلام هناك . وممن كان يداوم على صلاة الجمعة بهذا المسجد مفتي الديار الليبية المرحوم الشيخ الطاهر الزاوي . وفي أحد أيام الجمعة من أواخر نوفمبر 1980 عند أداء صلاة العصر اقتحم عتاولة اللجان الثورية المسجد ، وانهالوا بالضرب على الشيخ والمصلين ، واشتبك معهم بعض المصلين ، وضربوا بعضا منهم ، واعتقل الشيخ وتلاميذه وبعض المصلين الآخرين ، وأطلق سراح من لا يعرف الشيخ بعد أيام من الاعتقال والتعذيب . وتحفظت السلطات على الباقين ، وكان عددهم حوالي 15 شخصىا . وبعد أسبوعين من تاريخ الاعتقال استشهد أحد الشباب تحت التعذيب ، وهو الشهيد لطفي امقيق . واستشهد فيما بعد شهيد آخر لا أعرف اسمه . وعندما أخرجت مجموعتنا - المتهمة بتشكيل تنظيم ديني محظور حسب وصف السلطات – من الحبس الانفرادي في مايو 1982 ، وأودعت سجن الجديدة ، وجدنا بانتظارنا مجموعة الشيخ البشتي الأولى ، مضافا اليها المجموعة الثانية التي اعتقلت معنا في نفس التاريخ (أواخر 1981 ) ، المكونة من عشرة أشخاص .
ومن بين 22 شخصا في المجموعة يبرز كل من : الشهيد محمد رشيد الهادي كعبار ، والمرحوم علي الجديدي ، والشيخ عبد الرحمن العدولي ، والشيخ محمد الحاراتي وأخواه المرحومان مختار وعبداللطيف ، وعبد الناصر انفيص وشريف بن عمران ورضا دنف ومحمود بن حمزة وعبد السلام العايب . قدمت هذه المجموعة الى محكمة الجنايات وحضرت بعض جلساتها ، ولما تبين أن محكمة الجنايات ليس لديها ما تدين به المجموعة وتحكم عليها بأشد الاحكام ، أوقف سير القضية في منتصف 1982 ، ثم تفتقت عبقرية النظام الشيطانية عن ما سمي ب(المحكمة الثورية الدائمة ) ، التي شكلها القذافي من أعتى العناصر الثورية ، ممن تخصصوا في فنون التعذيب وازهاق الأرواح – كما صرح أحدهم – ولم يكن واحد منهم من خريجي كلية الحقوق والقانون . وفي 8 مايو 1983 جاء دور مجموعة الشيخ البشتي ، ليمثلوا أمام المحكمة المهزلة ( المحكمة الثورية ) ، بعد أن حاكمت مجموعات من المعتقلين السياسيين ، على مدى عام مضى ، كان أبرزها مجموعة حزب التحرير . وقد حكمت بالاعدام على محمد رشيد كعبار ، وحكمت بقطع اليد اليمنى للشيخ محمد المهدي الحاراتي ، لأنه استلم زكاة الفطر من موظفي السفارة السعودية بطرابلس ، ووزعها على الفقراء ، في أحد الأعياد ! ولكن الشيخ الحاراتي ظل معنا في السجن سليم اليد حتى أفرج عنه في 3مارس 1988 ، أما باقي المجموعة فقد أخلت المحكمة سبيلهم مع توجية الانذارات الشديد ة اليهم ، في 1983 بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من السجن .
أما الشيخ البشتي فقد صرح المقبور القذافي بعد اعتقاله بمدة وجيزة ، أن اللجان الثورية أبلغته أنها قتلته ، وقال على شاشة التلفزيون : قلت لهم زين اللي عملتوه !! وتبين فيما بعد أن النظام جمع بعض مشايخه المرتزقة وطلب منهم آراءهم في الشيخ البشتي ، وقد رأينا بعض هؤلاء – بالصوت والصورة – يدلون بآرائهم التي تتراوح بين تقرير عقوبتي السجن أوالاعدام بحق الشيخ !! ولا زال قبر الشيخ الشهيد مجهولا حتى اليوم !
خاتمة : لا أعلم اذا ما بقي اليوم لجماعة الدعوة والتبليغ وجود في ليبيا ، وفيما أعلم لا يوجد جيل جديد يعتنق فكر حزب التحرير ، أما الاخوان المسلمون فأجيالهم متجددة – كما رأينا من استعراض تاريخهم – ولهم اليوم تنظيم ناشط له من المهارة والحنكة الدعوية والسياسية ما لا يوجد عند غيرهم . أما السلفيون التقليديون فهم يضعون أنفسهم على هامش الحياة السياسية ، يقولون : لا نريد أن نعمل بالسياسة لأنها قذرة ، ونحن نتركها لغيرنا ونستمر في الدعوة لبناء عقيدة التوحيد . ويبدو أنهم الآن في حيرة وتردد ، فقد صرح بعضهم في أيام الثورة من فوق المنابر بأن القذافي ولي أمر شرعي ولا يجوز الخروج عليه ، ووصفوا الثوار بالخوارج ! وحرموا المشاركة في المظاهرات المعارضة للطاغية ، وقال بعضهم : الزموا بيوتكم واتقوا الفتنة ! وبعد تحرير طرابلس في 20/8/2011 بدلوا خطابهم فقالوا : القذافي كافر كفره علماء الحجاز منذ 1982 عندما أنكر السنة وحرف القرآن ، ونحن الآن مع الثو رة ، وأغرب ما سمعت أن بعضهم يعادي الثورة الآن . و كان خطباء السلفية التقليدية المتصفون بالجمود يسيطرون على كثير من منابر المساجد قبل الثورة ، ومازالوا على هذه المنابر حتى الآن رغم أن بعضهم صار يثير الفتن بشن الهجمات على الجماعات الاسلامية الأخرى ، و يحتكرون المساجد و يمنعون غيرهم من القاء المحاضرات والدروس بها ، لا بل انهم بدأوا في عزل بعض الخطباء بحجة أنه وافق فضيلة المفتي في بعض آرائه ، فهم لا يقيمون وزنا للمفتي لأنه ليس سلفيا بزعمهم !! والسلفيون هم الغالبية اليوم بين شباب الصحوة الاسلامية ، ولكن ثقافتهم محدودة ، فمشايخهم يحرمون عليهم الاطلاع على مؤلفات العلماء المعاصرين من غير مشايخهم المشهود لهم لدى علمائهم المتخصصين في الجرح والتعديل – كما يزعمون ! والسلفيون اليوم يبتعدون عن السياسة لأنهم يستقذرونها ! ويجهلونها ، منساقين وراء مشايخ المدرسة الوهابية التقليدية ، التي أنتجت ثقافة جامدة ، تحت سطوة أسرة آل سعود ، المتحالفة مع أسرة آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ أكثر من قرن من الزمان . ان على شباب السلفية بمختلف مدارسها أن ينفتحوا على الفكر الاسلامي المعاصر والثقافة الاسلامية المعاصرة ، ويتابعوا خطو سلفيي مصر الذين شكلوا (حزب النور) ، وخطوات شباب الصحوة الواعي في كل مكان من العالم الاسلامي . والأمل يحدونا أن تتوحد فصائل الحركة الاسلامية بجميع أطيافها في تحالف عريض يعمل للاسلام بشكل جماعي ، و يكوّن جبهة واسعة في الانتخابات القادمة ، حتى لا يولد لدينا برلمان مكون من الزعامات القبلية ، و شخصيات النظام البائد المتسلقة ، ورجال المال والآعمال القادرين على شراء الأصوات من عديمي الوعي السياسي ، أؤلئك القادرون على افساد الحياة السياسية في المستقبل ، كما صنعوا في كثير من البلاد .
المراجع : الحركات الاسلامية الحديثة في ليبيا /محمود الناكوع
|