|
|

|
|
محمد عبدالله حنيش
|
تنصرف مصائر الناس فى الكون حسب أقدارهم : عملا ومكانا ورزقا وعمرا ... فكثير من أهل بلادنا ولدوا وكبروا وترعرعوا على أرضها تحدوهم الأمانى , وتشوّقهم طموحات انسانية لمستقبلِ ٍ حلـُم به كلٌّ منهم بما ارتآه ورغب أن يكونه , مستمتعا وهانئا بخير وطنه , وحنوّ ذويه وأهله , ومطمئنا فى سربه , دون أن يدرى ـ وأنى له ذلك ــ أن سيظهر فى البلاد طاغية يُفتتن به الناس , وتتشرد من بلائه العوائل , وتـُزهق بفتكه الأرواح , وتتبدد بطيشه النعم.
فقد قـُدّر للبعض منا أن يخرج من بلاده : مُبعدا أو خائفا أو مسلوبا فى الرزق مما كان يملكه أو متنزها عن التعايش والتعامل مع نظام البغى والجور .. وهم أولئك الرجال الذين طاردتهم ولاحقتهم اللجان الثورية الآثمة فاغتالت من طالته وشردت باقيهم , فهدمت بيوتهم وسلبت أملاكهم من ورائهم , بل وسخرت أموال الشعب فى توظيف المرتزقة لتصفيتهم قتلا أو اختطافا , وأسقطت طائرات مدنية ظنا أن من بين ركابها نفرا من رجال المعارضة , بل ودفعت الرشاوى بسخاء لرؤساء بعض الدول لتسليم ما على أرضهم منهم .
وبقدر ما كانت غربة هؤلاء وهجرتهم قدراً شاء الله ان يكون قبل أن يبرأهم, فقد فرضت الظروف بمقتضى سير الحياة كذلك وبما كان عليه حال البلاد منذ بداية السبعينات إلى يوم التحرير أن تكون لهم خيارا وحيدا , بمعنى أن الهجرة كانت لابد أن تكون واقعة قـدَرًا , واتجاه سير وحيد اختيارا .
ومحاولات تشكيل المعارضة فى الخارج بتعدد مسمياتها واختلاف مشاربها بالرغم من أنه لم يكتب لها نجاحا تبلغ به القصد , ويتسامى به الأفراد عن نزعات فردية تسببت بلا شك فى بعثرة الجهود واختلاف الرؤى , إلا أنهم ـ رغم هذا وذاك ـ على شجاعتهم مشكورين , وعلى غربتهم ونضالهم مأجورين . ولا يبخس جهودهم ومسيرات كفاحهم بعض نفر ساءت منهم التصرفات , أوشابت اداءهم السلبيات , فلا كمال فى الحياة الدنيا لشيئ .. ولا يصح أن نقصر النظر فى الجانب الفارغ من الكأس ونتعامى تجاهلا عما احتواه فى جزئه الآخر .
فالمقصودون فى هذاالمقام هم :
من أمضى شبابه وطورا آخر من كهولته مغتربا عن داره , ويعانى ضنكا فى عيشه , ولم يساوم على مصير بلاده , ولم تغريه محاولات الاستدراج والاستمالة للتصافى مع النظام , والركوع أمام أبوابه للترويج لإصلاح ٍ وهمى مزعوم . وحتى من أجاب الدعوة غافلا أو مُغرّرا به فقد استنكف بمجرد أن تأكد من عدم المصداقية , بل راينا وسمعنا منهم من يعلن اعتذاره عن ذلك .
ومنهم من خرج من السجن بعد ما يقارب العقدين من الزمان .. ولم يقبل على نفسه أن يتناول من ذاك النظام معاشا , ولم تقبل كرامته فى سبيل حرية بلاده أن يسهل سقوطه أمام مغريات التعويض المادى , فآثر أن يلحق بمن سبقه من إخوانه المعارضين بالخارج , فارّا بجلده .. فزاد إلى عزلة سجنه غربة ارتحاله .
ومنهم من تبتـّل عزبا , فآثر ترحاله المتكرر وحيدا , فكانت ليبيا فقط شريك عمره .
ومنهم من تآمرت عليه أنفس الشر فتمكنت من اختطافه , وتم بالإثم اغتياله تاركا فى الغربة عائلته وبنيه , يتجرعون مرارتين : فقد العائل وفقد الوطن .
ومنهم من استطاع فى اغترابه أن يتميز بعلمه وأدائه فنال جائزة دولية ,أو تبوأ مركزا اكاديميا فى مؤسسة عالمية ,أو فى ادارة أعماله منصبا قياديا مذكرا الدنيا باسم بلاده , فى الوقت الذى أصر على أن يكون علم الاستقلال زينة يتحلى بها بيته , وعلى صدور أولاده وساما .
ومنهم من استثمر وقته للتدوين والتأريخ ورصد كل مايجرى فى الوطن ـ رغم صعوبة توفر المعلومات ,وخطورة تسريبها ,وصعوبة توصيلها ـ ليحفظ مستندات ثبوتية و توثيقية لما كان يجرى من ممارسات شائنة بالبلاد وأهلها وثرواتها .. ستظل تلك الثبوتيات جامعة لما جرى , ومانعة لأية ممارسات أخرى مشابهة لها لا قدر الله .
ولما أذن الله بانبلاج النور بقيام ثورة الكرامة والخلاص كان أولئك العظام سباقين فى الاتصال بمراكز صنع القرار فى بلدان اغترابهم ساعين ــ وكانوا بأمر الله موفقين إلى حد كبير ــ فى اقناع الآخرين بالاعتراف بشرعية الثورة , وشرعوا فى تجميع التبرعات وتأمين الكثير من الأدوية واللوازم الطبية والغذاء لبنى وطنهم , ورأيناهم وعائلاتهم يطوقون مقرات سفارات النظام فى الأيام الأولى للثورة رافعين أعلام استقلال البلاد , ومثيرين لاهتمام العالم بعدالة القضية وحق الانتفاضــه .
وتزخر المسيرة الانسانية بالسِّيرِ ِالعديدة لهجراتٍ كان لزاما على إنسان عصره أن يتخذها سبيلا إلى مبتغاه .. مُكرها أو مُتخيرا , إلى أن يأذن الله بانفراج كربته ويستطيع الرجوع لوطنه , فليست هجرة مواطنينا إبان ذلك العهد المظلم كفاحا أو نجاة من البطش بعيبٍ ولا معرّة .. ولا أحسب أن فى ذلك انتقاصا يطال حق المواطنة ولا شرف الانتماء ,مما يستدعى إقصاءهم ولا التحفظ منهم كى لا يساهموا مع إخوتهم فى إعادة بناء الوطن , فهجرتا الحبشة الأولى والثانية وقعتا فى سنى الدعوة الإسلامية الأولى , وفى زمن مابين الهجرتين قاطع كفار قريش بنى هاشم وأخرجوهم منبوذين جياعا فى شعب بنى طالب حتى كان المسلمون مضطرين لربط الأحجار على بطونهم , بينما ينعم أولئك النفر المهاجرون بخيرات بلاد هجرتهم ... فلا نعيم عيش الحبشة أنسى مهاجريها المسلمين حال إخوانهم ولا قضيتهم التى هاجروا بسببها , ولا ساء ظن المحاصرين الجياع من بنى هاشم باحد من إخوتهم المهاجرين , وعندما انتهت المقاطعة وعاد المسلمون كان من أولئك المهاجرين من قاد الجيوش ومن تولى الخلافة .
( أرجو ألا يُفهم حديثى على أنه تسويق لزعامة أحد !! لا والله وإنما هوابتغاء لإصلاح البين وقفل اسباب الفتنة .. خالص لله لصالح الوطن وصلاح الحال ) .
فوطننا تصحّر سياسيا أكثر من أربعة عقود , ويحتاج الفضاء العام فيه إلى تمارين فى النقاش وفى الحراك السياسى , وفى تعلم الاستماع , وإعطاء الفرصة للرأى الآخر تأسيسا على محصول علم , أو غنى تجربة , أو اكتساب مهارات تطبيقية , تساعد فى صوغ آليات الانتقال الديمقراطى المبتغى .
فإذا كان النظام الجائر قد أقصانا عن ممارسة حقوقنا , ومنعنا من مواكبة التقدم الحضارى ,فهل يصح أن نباشر نحن الإقصاء فى بعضنا بعد أن جاءنا نصر الله بالتحرير .؟؟
نـُكبر فى معارضينا المهاجرين وطنيتهم , ونحيى شجاعتهم , ونلتمس لهم العذر أن لم تنجح مساعيهم ... فبعودتهم إلينا نأنس , وباحتظانهم نسعد , وبخبرتهم نستفيد .
نكرر القول كما أسلفنا مرارا : بأن ليبيا وطننا جميعا .. هى أمنا , وهى بيتنا وملاذنا .. أو تضيق أرضٌ بما أخرجت ؟ وهل تأنف أم ُّ ممن استولدت ؟ ... فليست المعارضة من خارج الوطن بنقيصة ,, ولا كانت الهجرة سُبَـة .
لا ياســـادتى ...
25/1/2012
|