السنوات العجاف ذكريات سجين - (7)  
العودة إلى المقالات

السنوات العجاف ذكريات سجين - (7)

 

 

بقلم / الصادق الرقيعي

 
 
سيارة الزنازين
 
 
وأتى زمان من مكارم أهله      السجن والتشريد والإعدام
والسوط يحترش الظهور ووقعه      في سمع محترش به أنغام
 (يوسف الخطيب)
 
ومحتجز في غيهب السجن شوهت      معالمه المثلى يد المثلات
تفنن جلادوه في العسف والأذى      ولم يحن رأسا أو يفه بشكاة
تراه على الأغلال شلوا ممزعا      يخيل للرائين بعض رفاة
بنفسي وجوه أطفأ الجور بشرها      وان هي لم تبرح وجوه هداة
تنازعها لفح العذاب فأصبحت      وليس بها الا ذماء حياة
لئن سلبت نور الحياة فلم تزل      تنير سواد الليل بالصلوات
(محمد المجذوب)
 
 
   لقد مضى اسبوعان على اعتقالى حتى الآن , كانت لياليها مشحونة بالتعذيب البدنى و الإرهاب النفسى مع قلة فى النوم و الأكل و زيادة فى الإرهاق الشديد , و قد ادخلت ذات ليلة و أنا عائد من غرفة التحقيق الى شاحنة عجيبة بها صفان من الزنازين , ستة فى كل جانب و بينهما ممر ضيق ، كانت مساحة الزنزانة لا تزيد عن 90سم 70 xسم ، و ليس بها طاقة للتهوية اللهم الا مروحة فى سقفها تتحرك بين الحين و الآخر لتدخل شيئا من الهواء للحفاظ على حياة المحشور داخلها , لكنى سرعان ما أخرجت من تلك السيارة و أدخلت غرفة فى المبنى المتنقل ( تريلا )، و كانت شاحنة الزنازين بجانب غرفتى , مما سبب لى كثيرا من العذاب النفسى و الأرق . لقد كنت أسمع وقع العصي و السياط على ظهور المعتقلين و كنت أسمع صياحهم و توسلاتهم و أسمع صياح المحققين و أوامرهم المزمجرة طوال الليل , كما كنت أسمع أصوات العيارات النارية التى كانوا يطلقونها تخويفا للمعتقلين حال التحقيق معهم . واستمر هذا الازعاج يلازمني مدة أسبوعين أو أكثر .
   و فى هذه الأجواء كتبت اعترافات اخرى , كما طلب منى و وصل بى الحال أن قلت للمحققين : اكتبوا ما تريدون باسمى و أنا أوقع عليه !! فاحتجوا على كلمتى هذه و أنهالوا علي بالضرب .. ولقد بلغ بى الحال أيضا أن تمنيت فى احدى الليالى أن يطلق علي الحراس الذين كانوا يرافقوننى بين غرفة التحقيق و زنزانتى مهددين بإعدامى عيارات نارية ، فاستشهد لأتخلص من هذا العذاب !!
 
 
انقطاع التحقيق
 
لقد انقطع عنى المحققون مدة طويلة , حتى ظننت أنهم سافروا الى بنغازى للتحقيق مع معتقلين آخرين هناك قد تكون لى بهم علاقة , فلى هناك أخوة و أصدقاء لم أشأ أن أذكر أسماءهم و قد يكون غيرى ذكرهم , و عندما يرجع المحققون من بنغازى - كما تصورت - سيكون عذابى شديدا لأنى أخفيت ذكرهم , فالويل لى !! و نتج عن هذا التوقع الخاطىء من جانبى متاعب نفسية شديدة استبدت بى ليلا و نهارا , حتى كدت اصاب بمرض عصبى نتيجه ذلك , و استمرت هذه المتاعب مدة شهر تقريبا.
حوار فكرى
 
و فى 30-1-82 و بعد 43 يوما من اعتقالى أخذت الى غرفة التحقيق , و قد حضر شخص ثوروى كنت أسمع باسمه عندما كان طالبا فى كلية الحقوق ضمن شلة يسمونها رابطة الطلبة الوحدويين الناصريين ، و قد عرفته عندما كان زملاؤه ينادونه باسمه الأول (عمار ) و قلت فى نفسى هذا هو (عمار لطيف) ، و قال لى : جئت لاحاورك فكريا ..و بدأ يسأل و يحاور و أنا اجيبه . و تبين لى من خلال الحوار أنه ضحل الثقافة قليل الاطلاع , رغم أنه كان يشرف على مطبوعة تصدر عن رابطة الطلبة الوحدويين الناصريين بكلية الحقوق كان اسمها ( الوعى ,( سبق لى أن اطلعت على عدد أو أكثر من أعدادها أوائل السبعينات . و عندما قلت له أنك عمار الطيف أنكر أنه هو ، و لا أدرى سبب انكاره . و فى نهاية الجلسة كنت مرتاحا نفسيا فطلبت أن أتحدث هاتفيا الى اسرتى , والعجيب انهم استجابوا لطلبي فكلمت زوجتى و اختها و أخاها , و أعلمتهم بأن كتبى سيأتى من يأخذها ليصادرها و أشرت اليهم بأن يضعوها فى علبة صابون ( تايد) و أنا أقصد أن يخفوا ما زاد عن عبوة العلبة لئلا يتعرض للمصادرة ، و عندما سألونى عن المكان الذى أكلمهم منه _ و كانوا لايعرفون مكان اعتقالى _قلت لهم: فى مكان ما بطرابلس ، فسارع المشرف على المعتقل و قال لى : قل لهم أنك بالقربوللى و ليس بطرابلس ، فقلت ذلك لهم بلهجة من أملي عليه هذا القول ليفهموا أن هذا ليس صحيحا بل الصحيح الأول اى بطرابلس.
 
 
الامتناع عن الاكل
 
لم استطع تناول الطعام منذ اعتقالى , وكنت ارغم على الأكل عندما لاحظ الحراس انى لا آكل , فكنت آكل قطعة اللحم بصعوبة بالغة ثم أصنع حفرة فى جانب الصحن لأوهم الحراس انى أكلت منه , و لما خفت شدة الضغوط علي بسبب عدم الأكل ادعيت أنى مصاب بالسكرى و لا أستطيع تناول النشويات !! و صرت أحصل فيما بعد على كمية أكبر من اللحم و الخس و لتر من الحليب يوميا .
و عندما زارنى الطبيب و سألنى عن مرضى قال : يبدو أنك مصاب بهذا المرض منذ زمن !! ثم طلب منى عينات من البول لتحليله , فأدعيت عدة مرات بأنى كنت فى الحمام قبل لحظات!! و أبديت استعدادا لتحليل الدم , و كنت أتناول كل صباح علبة صغيرة أو أكثر من المربى لتزيد نسبة السكر فى الدم !! ثم انقطع عنى الطبيب و لم يسألنى أحد عن مرضى المزعوم ذاك !! ثم خفت الضغوط الجسدية و النفسية و عدت أتناول الطعام كالمعتاد ، أضف الى ذلك أن نوعية الطعام قد تحسنت ، و هو يتكون من ارز أو مكرونة مع لحم أو سمك بالاضافة الى الخس و الفاكهة أما الإفطار فقد كان يتكون من بيضة مسلوقة أو زبد أو جبن أو مربى مع الخبزو( سبع ) 1 /7 لتر من الحليب ! ولكن الحراس صاروا يوزعون الأكل بطريقة غير منظمة بحيث يملأون صحون من يأتى منا أولا ثم يحدث نقص فى طعام من يأتى أخيرا , حتى أن زميلى فى الغرفة المجاورة صار يدق باب غرفته بشدة وقت الغداء فظننت أنه يطلب النجدة لأنه أختنق بعظام سمكة ، و عندما كلمته فيما بعد عن سبب قرعه الباب بهذه الشدة قال : لم أحصل على سوى 28 حبة من المكرونة ! و أردت كمية اخرى من الطعام و لكنى لم احصل على شىء لنفاد الكمية .
 
 يتبع / السنوات العجاف (8)

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

     
               


Posted on Friday, February 03, 2012

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.