|
كثيراً ما ردد الشعراء وسطر الأدباء قصائد الحب والهوى ، ولطالما تمايلت القلوب وإهتزت أوتار المشاعر على إيقاع تلك المعاني الإنسانية الرقيقة ، وكم تذوقت الأرواح عذوبة أبياتهم وسحر تناسق مفرداتهم حتى أصبح لأولئك الناطقين بهمس الأحاسيس ذلك الكم الهائل من التجذر فى عمق ذاكرة الأجيال ، فكانت لهم تلك المعلقات ، وحفرت كلماتهم لتصبح تراثاً يفتخر به كل من ينتسب الى ثقافتهم ، ولتغدوا بعد مرور الأزمان هوية الأمة وصبغتها التى تتميز بها عن غيرها من الأمم ، إلا أن ما ميز بعض أولئك الشعراء والأدباء عن غيرهم كونهم حولوا مأساة هجرتهم وبعدهم عن الوطن الى قصيدة حية يتغنى بها كل من حرم من العيش فوق ترابه ، وكم رأينا وسمعنا لهج أرواحهم وهى تتغنى لهذا الحب الأبدى إنه ( الوطن ) ، تلك الكلمة التى يخيل للمرء أنها قد نسجت أحرفها بخيوط سحرية ، فلا تكاد أن تلامس نطقها الشفاة أو تعبر عنها بالحبر الأنامل لينتشر ضيائها بين أروقة الأنفس ، وليجد المرء أن روحه قد حلقت فى ذلك النور الآتي من مسمى الوطن ، ذلك الحب الذى يولد مع المرء حين يشرف على الدنيا ويكون ممزوجاً بكل ذرة من جزئياته البشرية ، لهذا فهو لايكون من الأشياء المكتسبة ، ولا يرجى من ورائه شهوة أو مطمع ، فهو يأتي معك ويلازمك فى كل مراحل حياتك ، حتى إذا ما رحلت وحده من يذهب معك ويرافقك ، لهذا كان الوطن أسمى وأعظم ما يعتز به الإنسان ، وأقدس ما تبذل من أجله المهج ، ولا يكون الفداء بالروح إلا من أجل ماهو أثمن منها وأجل ، وهذا من أعلى مراتب الحب ، وكما قال مصطفى الرافعي :
بلادي هواها في لساني وفي دمي يمجدها قلبي ويدعوا لها فمي
ولا خير فيمن لا يحب بلاده ولا في حليف الحب إن لم يُـتيًم
ويزداد فى النفس الإنسانية لواعج ذلك الحب الفطري إذا ما غابت عن المرء دفئ شمسه وعليل نسائمه ، وأصبح الإنسان عاجزاً عن إشتمام رائحة ترابه ، وبات سمعه بعيد عن سماع هدير أمواج بحره ، ويداه عن ملامسة رمال شطئانه ، عندما يقتلع جسده من بين أحضانه ، وتتعرى روحه وترمى بعيداً عن ستر كسائه ، عندها فقط إسأل ودقق فى السؤال لمن كان هذا واقعه وحاله ، إسأل الغريب عن وطنه ، ولسوف تجد إجابته تعابير حزن قد حفرت في وجدانه ، وشوقاً ملتهباً تزيد من لوعته تسارع وتيرة أيامه وهو يحيا فوق أرض لا تمتد له معها أية جذور ، فالوطن ليس مجرد مساحة أرض ممتدة تمشى فوقها أو تسطع عليك أشعة شمسها أو مكاناً لمعاش حياتك وخبز يومك ، إنه أكبر من ذلك كله ، إنه الهوية والإنتماء وولاء الحب والعطاء ، إنه رباط الوجود الذى يجعل منك صاحب ملامح خاصة بك وحدك تتمثل في ثقافتك ولسانك عند تحدثك ، وهيئتك وتذوقك لفنون الحياة ، إنه الأسرة الحاضنة والقبيلة الداعمة والقومية الواحدة ، ومع كل هذا التجذر تكون أنت ويكون موقعك من الوطن .
إن الذى ذاق مرارة البعد القسري عن وطنه ، مسقط رأسه ومرابع صباه ومنشأ أحلام شبابه ، يعلم كم هو مؤلم ذلك البعد ، وكم تشقى النفس به وهى تتعايش مع هذا الواقع المر.
إن البلد البديل الذى يلجأ إليه المبعدون مهما كان يتمتع من مزايا مادية لا يعدو كونه بديل مُحدث لا يشبه من يفد عليه فهو يصارع ليطوع نفسه على التعايش فيه ، وبهذا الصراع النفسي الداخلي الذى يتلاعب بأرواح المغتربين يصبح هذا المكان كالجحيم المستعر ، ويبقى الوطن وحده بكل ما يحمل من ألم الفردوس الأرضي .
لقد كثر الجدل فى الآونة الأخيرة على الذين يحملون جنسية أجنبية ، وكيف أن هناك من يصنفهم على أنهم الآتون من وراء المحيط ، وكأنهم بهذه الورقة التى تعنى الجنسية قد إنسلخوا من جلدتهم بالكامل ، ووجب على المقيمين فى داخل البلاد أن يضعوا لهم تصنيفاً خاصاً بهم ، وما الفقرة التى ألغيت من مسودة الدستور إلا نتيجة لذلك التصنيف ، وذلك بأن يحرم المتحصل على جنسية أخرى من حق الترشيح للإنتخابات فى ليبيا ، وبعيداً عن النفس السياسي الذى صاحب ذلك الجدل ، وبعيداً كذلك عن تسارع بعض الأقلام وإسهاب أصحابها فى ذلك التصنيف الغير منصف ، وخوضهم فى ذلك الجدل دون الإعتبار الى الجانب الإنساني من هذه القضية ، إن هذه الفئة من النسيج الليبي المتنوع تكاد تكون الوحيدة فى العالم أجمع بكونها لم تهاجر من بلادها وهى تملك أدوات الخيار والقرار ، فلم تكن دوافعها ذات طابع إقتصادي بطلب فرص عمل أو طلب حياة أفضل ، بل كثير منهم – مع الإستثناء – كانت هجرتهم لدوافع سياسية وأمنية وتحمل طابع المعارضة للنظام الحاكم فى ليبيا ، فكانت أفكارهم المخالفة أو رفضهم الصريح لما يجرى فى البلاد هو الجريمة الأساسية التى بسببها سجنوا أو هددوا أو أٌبعدوا ، ولقد كابد الليبيون المبعدون جراء ذلك الظلم أموراً تعجز الأيام عن محو أثارها ، وكثير منهم طالتهم أيدى الإغتيال المتسللة فى ظلام تلك البلاد البعيدة التى إستعاروا من قساوة بردها لحافاً لقلوبهم التى طاوعتهم لأن ينهوا حياة أفراد وهم بعيدون عنهم بآلاف الأميال لا لشئ إلا أنهم من المعارضين لسياسة سيدهم الذى لم يكن يرتوى من دماء معارضيه ، أليس من الإجحاف أن يسلب منهم تاريخ معاناتهم وينظر إليهم من منظور ضيق الأفق محصور فى كونهم يحملون جنسية أخرى .
إن الليبيين المغتربين هم جزء لا يتجزأ من جسد البلاد ، ولا ينبغى بحال من الأحوال أن يتم وضعهم فى خانة الأجنبى الذى لا تجمعه وأياهم إلا ورقة مختومة ، إنهم بثقافتهم وملامح حياتهم يحملون هوية الوطن فهم منه وإليه ، ولا يحق لأى كان أن يسلب منهم هذه الهوية وهذا الإنتماء ، فإذا أردنا أن نبنى الوطن بناءً جديداً قائماً على العدالة والقانون علينا أن نبتعد عن سياسة الإقصاء سواء كان فكرياً أو إجتماعياً أو سياسياً ، ويبنغى أن يكون المعيار الحقيقى لأحكامنا على الغير مبنياً على أسس الكفاءة والمصداقية فى العمل ، فبهذا تسير البلاد الى ما يطمح إليه كل من يحمل ليبيا فى قلبه حتى ولو بعد به جسده عنها ، وأختم بأصدق ما قيل عن المهاجر عن وطنه وأهله :
أنا المهاجر لا أنسى الوداع وما جرى من الدمع فى أجفان غزلان
ولوعة فى حشا الأحباب ما بردت عللتها بلقاء رهن أزمان
مرت ثلاثون لم أنسى العهود وهل تنسى مواثيق أرحام وأيمان
الأهل أهلى وأطلال الحمى وطنى وساكنُ الربع أترابى وأقراني
قد كنت أشتاقهم والعين تنظرهم يا عظم شوقى على بعد وهجران
إن أنكروا فما والله ننكرهم وإن جفوا لا نقابلهم بنسيان
نحبهم كيف ما كانوا وإن ركبوا مراكب الهجر من آنٍ الى أن
كريمة أحمد
|