24 ديسمبرذكرى عزيزة : أخفاها الإعلان .. فحفظها الوجدان.  

24 ديسمبرذكرى عزيزة : أخفاها الإعلان .. فحفظها الوجدان.

 

 بقلم محمد عبدالله حنيش

   

محمد عبدالله حنيش

      
 
ترادفت السنون .. وسيعقبها تصحر الذاكرة , فكان لزاما أن نبادر لنبيّن لشبابنا المناضل وهم خلف أولئك السلف الصالح والذين استطاعوا مرة أخرى أن يشتروا ليبيا بدمائهم ويحررونها من حكم الطاغية , مرددين نشيدها الوطنى ورافعين علم استقلالها , فمن حقهم أن يعرفوا بعضا من مآثر دولة الاستقلال الذى أعلنه مليكنا الصالح سليل الأشراف الإدريس المهدى السنوسى صبيحة يوم 24ديسمبر سنة 1951 لبلادنا :
  • ليبيا صبيحة إعلان الإستقلال عبارة عن أراضى شاسعة يتصاعد منها دخان احتراق اليات الجيوش الأجنبية التى اتخذت من أرضها مسرحا تدور عليه رحى معاركها فيما يعرفه التاريخ بمسمى الحرب العالمية الثانية , ولم تنج مدنها من آثار التدمير الهائل الناتجة عن تلك الحرب.
  • نسبة الأمية تتجاوز 90% من عدد السكان, والذين استدعت ظروف بيئتهم البدائية أن ينتشروا فى الاراضى الشاسعة مما يصعب معه تقديم اية خدمات إغاثية أو صحية أو تعليمية إليهم.
  • نسبة الفقر عالية جدا حيث صنفت لجنة تقصى الحقائق للأمم المتحدة ليبيا حينذاك بثانى أفقر دولة فى العالم.
  • استوطنتها أخطر الثلاثة الأمراض الفتاكة المعدية المعروفة وقتذاك وانتشرت بين السكان وهى ( السل والجدرى والتراخوما )
  • البلاد خالية تماما من أية مصادر تدر عليها أية عوائد للدخل القومى .
  • ورغم كل الظروف الصعبة فقد نجت ليبيا بأعجوبة وبفضل إصرار وعزائم رجالها المخلصين من بين مخالب وحوش كاسرة كشرت عن أنيابها أثناء مباحثات الأمم المتحدة لطلب ليبيا بنيل استقلالها .. حيث لم يخفى مشروع بيفن سفورزا النية السيئة طمعا فى تقسيم ليبيا بين كل من ( بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ), كما انبرت روسيا بمعارضة ليبيا فى الحصول على الاستقلال فى جلسة الأمم المتحدة وأبدت رغبتها فى ضمها اليها طمعا فى حصولها على موان فى احدى البحار الدافئة , وكذلك الأمر مع بعض إحدى الدول العربية ( الشقيقة ) ـــ ولم لا مادامت ليبيا صيدا يسعى إليه مطاردوه ـــ حيث رغبت مصر كذلك بضمها إليها ( وهو ما جعل مندوبها السيد عبدالرحمن عزام يعارض القرار , وحتى عندما اعترف العالم باستقلالها فإن السيد عزام الذى أصبح بعد ذلك أمينا لجامعة الدول العربية منع ليبيا من حصواها على عضوية الجامعة العربية مدة خمسة سنوات ولم تحصل على  الموافقة إلا بعد خروجه من المنصب ).
 
بعد استعراض موجز لتلك الصعوبات , لننظر كيف عالجت تلك الدويلة الناشئة شئونها .. وهنا نكتفى اختصارا بتحديد نقاط محددة :
  1. تجلى الاهتمام بالتعليم والصحة كأهم عنصرين يستحقان الأولوية, ورغم العجز الرهيب فى الموازنة فقد ركزت الدولة على ذلك , فأنشئت الأقسام الداخلية لتستوعب أبناء الأسر المتناثرة فى الصحراء لتعليمهم. واستجلبت المدرسين من الدول المجاورة وحتى بعضا من مناهج التعليم. كان الطالب المتوفق فى الثانوية العامة يحدد له بلد تعليمه ومنهج دراسته مسبقا خلال العطلة الصيفية ليسافر ويباشر فورا دراسته بعد العطلة.
  2. كما استنفرت الدولة كل إمكانياتها مما لديها أو سعيا للحصول على مساعدات خارجية بمكافحة الأمراض المستوطنة فقضت على الجدرى والتراخوما فى وقت قياسى . وشيدت بمنطقة المنصورة بشحات مركزا متخصصا لمعالجة آلاف المرضى من داء السل وراقبت عائلاتهم خوفا من العدوى , ومن المواقف التى لا تنساها الذاكرة أن الدولة رغم الصعوبة البالغة فى توفير المال اللازم لإدارة البلاد كانت مضطرة لدفع مرتب شهرى قيمته ثلاثة جنيهات شهرية ( مايعادل تقريبا 65% من مرتب الموظف العادى فى ذلك الوقت ) لنزيل ذلك المستشفى باعتبار أن علاج مرض السل يحتاج إلى فترة علاج وغذاء جيد لمدة لا تقل عن ستة أشهر , وهى مدة لا تحتملها عوائل المرضى لعدم وجود مصادر لدخلهم, وبالتالى فقد التزمت الدولة بعلاج المريض وتدبير معيشة أسرته !!!.
  3. اصر الملك على عدم محاباة الأسرة السنوسية , فقد أحظر استعمال ألقاب الأمراء على أفرادها, واستثناهم من شغل مناصب الدولة وحق الترشح.
  4. لم تعرف البلاد أية محكمة خاصة أو استثنائية ولم يكن هناك تجاوز للهيئات القضائية, ولم يجر اعتقال أى مواطن إلا بأمر النيابة العامة , وعندما صدر حكم المحكمة العليا ببطلان المرسوم الملكى بحل المجلس التشريعى الطرابلسى لعدم دستوريته انحنى الملك مذعنا واحتراما للقضاء وألغى المرسوم. وعندما حكمت المحكمة الجنائية بإعدام حفيد الملك لقتله ناظر الخاصة الملكية , صادق الملك فورا لتنفيذ حالة الإعدام الوحيدة التى صادق عليها خلال حكمه.
  5. بعد استخراج البترول وتسويقيه بكميات تجارية طلب الرئيس الأمريكى جون كنيدى عن طريق مبعوثه للملك ادريس ( أرموند هامر ) أن تقتسم ليبيا جزءا من دخلها الى بعض الدول الأفريقية فكان رده رافضا بأن من أوصل البلدان الأفريقية الى فقرها هو استعمار الغرب , و أن أهل ليبيا أولى باحتياج أموالهم, وأنه إن كان فائض لدينا فالأولى أن نراعى فيه حق إخوتنا العرب الذى ساعدونا فى محنتنا .
  6. استطاعت تلك الدويلة الفقيرة عند استقلالها  ان تغطى فى خلال عشرة سنوات عملتها المتاحة للتداول بما يعادل ( 125% ) من قيمتها بالنقد الأجنبى , وهو معدل لأكبر غطاء للعملات الصعبة لأى عملة مصدرة فى العالم ( المصدر : التقرير السرى للسفارة الأمريكية فى 11/2/1961 كما أورده كتاب الدكتور محمد المقريف  ـ ليبيا بين الماضى والحاضر ـ المجلد الثالث ص 574 ) , ويكفى أن نبين أن قيمة الجنيه الليبى مقابل الدولار يوم انقلاب سبتمبر 1969 كانت تساوى 3.3 دولار .
  7. عرفت ليبيا فى ذلك العهد مساحة ثقافية واسعة ومتاحة للجميع ويكفى أن نعرف أنه كانت تصدر بليبيا ( 21 ) مجلة وصحيفة , منها اثنتان فقط مملوكتين للحكومة هما : طرابلس الغرب وبرقة الجديدة والباقى ملكية خاصة .
  8. بنهاية عهد حكم الملك إدريس لم يكن لليبيا عدوا واحدا ولا عداوة مع أى دولة , وأذكر أن بعضا من الدول الأوروبية لا تقل عن خمس على الأقل , كان الليبى لا يحتاج لأن يحصل على تاشيرة دخول لأراضيها , فبمجرد وصوله وإبراز الجواز الليبى يسمح له بالدخول مباشرة.
وقد أخذتنا مشاغل الحياة وطفنا ببلدان كثيرة , و يشهد الله أننا ما التقينا أحدا ممن كانوا عاملين فى ليبيا فى ذلك العهد من أية جنسية كان إلا وأثنى عاليا على البلاد وأهلها فى ذلك الزمان , ومن طرائف ما كانوا يرووه مستغربين أن بعضا من المحلات التجارية تترك مفتوحة إذا خرج أصحابها للصلاة أو أى شأن آخر , ومنهم من كان يصر على أن يحدد أن عصاة كانت توضع بمدخل المحل كافية لأن تشعر الناس بعدم الدخول لعدم تواجد صاحبه !.
يوم حدوث الانقلاب استدعى الملك المتواجد فى اليونان آنذاك للعلاج , استدعى مرافقيه بإيقاف الصرف اعتبارا من تلك اللحظة وارجاع باقى المخصصات الباقية مع السيارتين المخصصتين فى الرحلة الى ليبيا فورا باعتبارها تؤول الى ممتلكات الدولة.
 
يقول المقيم البريطانى المفوض فى ليبيا السيد إيريك آرمار دى كاندول فى كتابه : الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره ترجمة الأستاذ محمد بن غلبون  ما أنقله  هنا حرفيا :
( ومع أن الكثيرين من المراقبين وقت الاستقلال نظروا إلى هذه الدولة الناشئة بعاهلها المسن , وشعبها الممزق , ودخلها الهزيل, فلم يروا فى طريق مستقبلها غير المحن والكوارث , إلا أن الملك إدريس استطاع بالحكمة وبعد النظر والنزاهة ومضاء العزيمة أن يقود بلاده أكثر من سبعة عشر عاما عبر بحار شديدة التلاطم .).
كما يصف شخصية الملك فى إحدى الأمسيات بمدينة بنغازى : ( أذهلتنى حدة فراسته وحسن اطلاعه على مختلف شئون الساعة . كما تجلى لى ذكاؤه الوقاد وامانته بوضوح كامل وفى كل ما أخبرنى به ).
 ويقول واصفا انطباعه بعد نهاية اللقاء : ( وخرجت مساء ذلك اليوم مقتنعا بأن السيد ادريس رجل مؤهل لرآسة دولة ليبية بحكم صفاته الشخصية وسعة اطلاعه ونزاهته , وبما يحظى به من المكانة الدينية والسياسية اللازمة لمثل هذا المنصب . وأعترف بأننى وقعت تحت تأثير شخصيته الآسرة لاول مرة , بل اننى عبر الأحاديث العديدة التى جرت بينى وبينه طوال السنوات التاليه لا أذكر أننى خرجت من مجلسه قط دون أن يغمرنى نوع من الشعور باليقظة وتنبه الحواس الذى يحدثه لقاء شخصية خارقة للعادة ).
 
تـُرك الملك ادريس لأقداره وحيدا فى اليونان بعد الانقلاب ولم يكن لديه رصيد مالى فى أى بنك فى العالم ... وتصف الملكة فاطمة الشفا زوجته ذالك الحال فى الرسالة الموجهة لعائلة السيد دى كاندول الصديقة , والتى أوردها فى كتابه السابق التنويه عنه .. قائلة :( وقبل أن أنهى رسالتى أحب أن أقول أننا نحمد الله أن تيجان الملكية لم تبهرنا قط, ولا نشعر بالأسف لفقدها , فنحن كنا نعيش دائما حياة متواضعة ولم يغب عن أذهاننا مثل هذا اليوم . كما نحمد الله كثيرا على أننا لا نملك مليما واحدا فى أى مصرف حتى يشغل بالنا المال .ولم نغير أبدا معاملتنا لأصدقائنا , وهى لن تتغير مع الأيام ).
 
بقى أن يعرف القارئ الكريم أن الملك ادريس وقد حل لاجئا لدى الدولة المصرية بناءا على عرض من الرئيس جمال عبدالناصر , فإنه قد وسّط هذا الأخير لدى قادة انقلاب ليبيا ليسمحوا له بالإفراج عن ثلاثة من كل ما فى بلاده ليبيا ومما تركه وراءه  ..   أتعرفون ماهى ؟
 
1-    العباءة الصوفية التى يتدثر بها شتاءا.
2-    السبحة الكبيرة التى ورثها عن جده محمد بن على السنوسى.
3-    السماح لابنتهما بالتبنى الجزائرية الأصل ( سليمى )  للالتحاق بهما فى مصر.
       نعم ... هذا ما خرج به الإدريس من بلاده . وعاش لاجئا إلى بقية أجله .
 أوليس فى كل هذا ما يدعونا لأن نحفظ , ونحافظ , وبل ونراعى عهود     الآباء مع أولئك الصالحين ؟!.  
 
 
 محمد عبدالله حنيش
 
 


Posted on Thursday, December 22, 2011

Return    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | منبر الجمعة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | Enough!خلاص | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي | بحث
© Copyright 2000 - 2012 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.