|
كان ذلك منذ ثلاث سنوات، في مكة المكرمة شرفها الله، وفي موسم الحج العظيم. كان خير وجود وفد من الجبهة في ذلك الموسم قد انتشر في صفوف حجاجنا كانتشار النار في الهشيم. استوقفناه لنتعرف عليه، كان في ربيع العمر، في غاية البساطة، قسمات وجهه تدل على طيبته وكرامة معدنه، تلمح في بريق عينيه الحياء والوقار، وتحس في نبرات صوته صدق اللهجة والحديث. كان من مدينة عرفت بالصمود والبسالة، وعرف أهلها بحب الرباط والجهاد والإستشهاد.
لم نكلف انفسنا عناء التعريف له بالجبهة وبأهدافها فقد كان يتابع اذاعتها دون انقطاع حتى مجيئه للديار المقدسة لاداء فريضة الحج. اختصر معنا الحديث بسؤال واحد طرحه علينا، كانت الإجابة عليه تكفي ان توضح له معالم الطريق وان تبين له الحق من الباطل... وبعد ان تمت الاجابة دعا لنا بالتوفيق وانصرف. فوجئنا بعد يومين أو ثلاث من ذلك اللقاء المبارك انه اتخذ قراراً مع أحد رفاقه بالإنضمام في صفوف الجبهة للاطاحة بحكم القذافي الفاسد.
كان لا يحمل شهدات او القاباً علمية.. ولا أوسمة ولا نياشين على صدره.. ولا نجوماً ولا نسوراً على كتفه. ولكن كان والله اكبر واعظم من كل ذلك. واقسم كذلك لو انه وضع في كفة وعشرات من هذه العينات في كفة لرجح بهم. فكل هذه النماذج من كل لون وجنس قابلة للإستيراد والتصدير، حيث تقف في طابور العطالة في شتى أرجاء العالم.. ولكن أن تجد رجالاً طلقوا الدنيا ثلاثا، ووهبوا انفسهم لمحاربة الظلم والطغيان لا لمناصب يرتقونها، ولا لكراسي يجلسون عليها، ولا لمغانم يتقاسمونها ولا لشهرة يكتسبونها ولكن لمرضاة الله عز وجل والفوز بالشهادة في سبيله.
كان لا يشغله شئ مما يشغل الشباب اليوم في مثل سنه وحداثة أظفاره، كان كل همه ان يصبح على ذكر الله وان يبيت على ذكر الله، وأن يساهم بكل ما أوتى من قوة في الإطاحة بحكم القذافي قبحه الله وعجل مصرعه. كان قّوام الليل.. صّوام النهار.. حافظاً لكتاب الله عاملاً به، يستأنس به كل لياليه، كنا نسمع له في جوف الليل وهو يقرأ دوياً كدوى النحل، فكان يملأ نفوسنا سكينة وطمأنينة ومكاننا نوراً وبركة. كان شديد الحب لأخوانه. وكان إذا سلم أحدنا عليه عند القدوم أو الوداع.. يحس في حرارة احتضانه سلام قدوم أخوين لم ير احدهما الآخر سنيناً عدداً أو سلام وداع أخوين لن يرى أحدهما الآخر أبداً. كانت كل أحاديثه عبر الإذاعة لشعبنا المنكوب عن الجهاد وفضل المجاهدين عن القاعدين.
وبعدما خاطب شعبه عن فضل الجهاد والإستشهاد مستشهداً بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ذهب ليخاطب الدجال باللغة التي لا يفهمها الا هو ومن هم على شاكلته وطرازه، وانطلق مع رفاقه خفافاً حتى وصلوا لمقر الطغيان واقتحموا قلعته اقتحاماً، فهب المجرم مفزوعاً من نومه وأطلق سيقانه للريح، وولى منهم فراراً وملئ منهم رعبا، واستمر مع رفاقه في دك الحصون الباطل وتصفية جرائيم الفساد عدة ساعات حتى سقط شهيداً.. وصعدت روحه الطاهرة راضية مرضية إلى جنات تجري من تحتها الانهار في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
قال لي رحمه الله وأرضاه اكثر من مرة - ويشهد الله على ذلك - إنه ليس له أمنية في هذه الفانية إلا أن يمكنه الله من دخول البلاد ليقاتل أثمة الكفر حتى يلقى ربه شهيد.. وهكذا كان، صدق الله فصدقه الله.. ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه "ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
لقد كانت حياته القصيرة كالآتي: حفظ للقرآن، ثم تدريسه، فحج فجهاد، فقتال، فاستشهد.. نعم الحياة ونعم الممات.
"ولا يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم."
هذه جانب من قصة أحد إخوتنا الذين استشهدوا في معركة باب العزيزية لإعلاء كلمة الحق في بلادنا اقتضت الدواعي الامنية ألا ينشر اسمه1، ولكن قريباً بإذن الله تعالى سيطلق شعبنا المنتصر على شارع من الشوارع أو ميدان من الميادين أو حي من الاحياء في ليبيا الحرة اسم هذا البطل الشهيد. والشهداء لا يموتون.
1. إسم الشهيد "سالم محمد الماني" وعندما نشر هذا المقال في نوفمبر 1984 اقتضت الدواعي الامنية ان لا ينشر اسمه. رحم الله الشهيد سالم وجميع شهداءنا الابرار.
|